مدارج السالكين

فإذا تمكّن العبد في حاله، وصار له إقبالة١ على الله وجمعيّة٢ عليه ملَكَةً ومقامًا راسخًا= أنِسَ بالخلق وأنِسُوا به، وانبسطَ إليهم وحملهم على ضَلَعهم وبُطء سيرهم٣، وعكفت٤ القلوبُ على محبّته للُطْفِه وظَرْفِه، فإنّ النّاس ينفرون من الثقيل٥ ولو بلغ في الدِّين ما بلغ!

ولله ما يجلبُ اللُّطفُ والظَّرفُ مِن القلوب، ويدفع عن صاحبه من الشّرِّ، ويسهِّل له ما توعّر على غيره! فليس الثُّقلاء بخواصِّ الأولياء، وما ثَقُل أحدٌ على قلوب الصّادقين المخلصين إلّا من آفةٍ هناك، وإلّا فهذه الطّريق تكسو العبدَ حلاوةً ولطافةً وظَرْفًا، فيُرى الصّادق فيها من أحلى النّاس وألطفهم وأظرفهم، قد زالت عنه ثقالة النّفس وكدورة الطّبع، وصار روحانيًّا سمائيًّا بعد أن كان حيوانيًّا أرضيًّا، فتراه أكرمَ النّاس عشرةً، وألينَهم عَريكةً، وألطفَهم قلبًا وروحًا، وهذه خاصّيّة٦ المحبّة، فإنّها٧ تلطّف وتظرّف وتنظّف.

ومِن ظَرْف أهل هذه الطّبقة: أن لا يظهر أحدُهم على جليسه بحالٍ ولا مقامٍ، ولا يواجهه إذا لقيه بالحال، بل بلين الجانب، وخفْضِ الجناح،

  1. (١) ر، ط: «إقبال».
  2. (٢) د، ت: «وجمعيته».
  3. (٣) د: «بمسيرهم».
  4. (٤) ط: «فعكفت».
  5. (٥) ر، ط: «الكثيف».
  6. (٦) د، ت: «وهذا». وط: «خاصة».
  7. (٧) ش، د: «بأنها».
45

وطَلاقة الوجه، فيفرش له بساط الأُنس ويُجلِسه عليه، فهو أحبُّ إليه من الفُرُش الوثيرة.

وسئل محمّد بن عليٍّ القصّاب١ أستاذ الجُنيد عن التّصوُّف؟ فقال: أخلاقٌ كريمةٌ، ظهرت في زمانٍ كريمٍ، من رجلٍ كريم، مع قومٍ كرامٍ٢.

وبالجملة: فهذه الطّريق لا تنافي اللُّطفَ والظَّرْفَ والصَّلَف٣، بل هي أصلف شيءٍ، ولكن هاهنا دقيقةٌ قاطعةٌ وهي: الاسترسال مع هذه الأمور، فإنّها أقطع شيءٍ للمريد والسّالك، فمن استرسل معها قطعَتْه، ومَن عاداها بالكلِّيّة وعّرَت عليه طريقَ سلوكِه، ومَن استعان بها أراحَتْه في طريقه، وأراحت غيرَه به، وبالله التّوفيق.

فصل

وأهل هذه الطّبقة، أثقل شيءٍ عليهم البحث عن ماجَرَيات٤ النّاس، وطلب تعرُّف أحوالهم، وأثقل ما على قلوبهم سماعُها، فهم مشغولون عنها بشأنهم، فإذا اشتغلوا بما لا يَعنيهم منها فاتهم ما هو أعظم عنايةً لهم، وإذا عَدّ غيرُهم الاشتغالَ بذلك وسماعَه من باب الظَّرْف والأدب، وستر الأحوال= كان هذا من خُدَع النُّفوس وتلبيسها، فإنّه يحطُّ الهممَ العالية مِن أوْجها إلى

  1. (١) ت: «ابن القصاب». ينظر ترجمته في «تاريخ بغداد»: (٤/ ١٠٣).
  2. (٢) ذكره في «الرسالة القشيرية» (ص ٥٨٦)، واللمع (ص ٤٥). وقوله «من رجل كريم» سقطت من ط.
  3. (٣) كذا قال المؤلف مع الصَّلَف هو الغلوُّ في الظرف وتجاوز حدِّه إلى الكِبر، ولذا قيل: آفة الظرف: الصَّلَف.
  4. (٤) ش، د: «ما جرايات».
46

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي