وأعظم١ السِّتر والإخفاء: أن يستر الله سبحانه حالَ عبده عنه ويخفيه منه، رحمةً به ولطفًا، لئلّا يساكنه وينقطع به عن ربِّه، فإنّ ذلك خِلعةٌ من خِلَع الحقِّ، فإذا سترها صاحبُها ومُلبِسها عن عبده، فقد أراد به أن لا يقف مع شيءٍ دونه، وقد يكون ذلك السِّتر لما شُغِل به العبدُ من٢ مشاهدة جلال الرّبِّ تعالى وكماله وجماله، أعني مشاهدة القلب لمعاني تلك الصِّفات واستغراقه فيها.
وعلامة هذا الشُّهود الصّحيح: أن يكون باطنه معمورًا بالإحسان، وظاهره مغمورًا بالإسلام، فيكون ظاهره عنوانًا لباطنه، مصدِّقًا لما اتّصف به، وباطنه مصحِّحًا لظاهره. هذا هو الأكمل عند أصحاب الفناء.
وأكمل منه: أن يشهد ما وهبه الله له ويلاحظه ويراه من محض المنّة وعين الجود، فلا يفنى بالمُعطي عن رؤية عطيَّته، ولا يشتغل بالعطيّة٣ عن معطيها، وقد أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته، وذلك لا يكون إلّا برؤيته وملاحظته٤، وأمر بذكر نعمته٥ وآلائه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾[فاطر: ٣]، وقال: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[الأعراف: ٦٩]،
(١) ت، ر، ط: «ومن أعظم».
(٢) ر، ط: «مما يشتغل».
(٣) ليست في ش، واستدركت في هامش د.
(٤) العبارة في ط: «برؤية الفضل والرحمة وملاحظتهما».
فلم يأمر سبحانه بالفناء عن شهودِ نِعَمِه١، فضلًا عن أن يكون مقامه٢ أرفع من مقام شهودها مِن محض٣ فضله ومنّته.
وقد أشبعنا القولَ في هذا فيما تقدّم٤، ولا يأخذنا فيه لومةُ لائمٍ، ولا يأخذ أرباب الفناء في ترجيح الفناء عليه لومة لائمٍ.
فقوله: (أسرَهم الحقُّ عنهم). أي: شَغلَهم به عن ذِكْر أنفسهم، فأنساهم بذِكْره ذِكْرَ نفوسهم، وهذا ضدّ حال الذين نسوا الله فأنساهم أنفسَهم، فإنّ أولئك لمّا نسوه أنساهم٥ مصالحَ أنفسهم التي لا صلاح لهم إلّا بها فلا يطلبونها، وأنساهم عيوبَهم فلا يُصلحونها، وهؤلاء أنساهم حظوظَهم بحقوقه، وذِكْر ما سواه بذِكْره، والمقصود أنّه سبحانه أخذَهم إليه وشَغَلهم به عنهم.
قوله: (وألاح لهم لائحًا أذهلهم عن إدراك ما هم فيه). ألاح أي: أظْهَر، والمعنى: أظهرَ لهم مِن معرفة جماله وجلاله لائحًا ما، لم تتّسع قلوبُهم بعدَه لإدراك شيءٍ مِن أحوالهم ومقاماتهم، وهذا رقيقةٌ من حال أهل الجنّة، إذا