عين الأزل محضًا. والإلهام غايةٌ تمتنع الإشارة إليها).
عينُ التّحقيق عنده هي الفناء في شهود الحقيقة، بحيث يضمحلُّ كلُّ ما سواها في ذلك الشُّهود، وتعود الرُّسومُ أعدامًا١ محضةً. فالإلهام في هذه الدّرجة يجلو هذه العين للملهَم صِرْفًا، بحيث لا يمازجها شيءٌ من إدراك العقول ولا الحواسِّ، فإن كان هناك إدراكٌ عقليٌّ أو حسِّيٌّ لم يتمحَّض جلاء عين الحقيقة. والنّاطق عن هذا الكشف عندهم لا يفهم عنه إلّا من هو معه، ومشاركٌ له. وعند أرباب هذا الكشف أنّ كَلَّ الخلق عنه في حجابٍ، وعندهم أنّ العلم والعقل والحال حُجُبٌ عليه، وأنّ خطاب الخلق إنّما يكون على لسان الحجاب، وأنّهم لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب؛ فلذلك تمتنع الإشارة إليه والعبارة عنه، فإنّ الإشارة والعبارة إنّما يتعلَّقان بالمحسوس أو المعقول، وهذا أمرٌ وراء الحسِّ والعقل٢.
وحاصل هذا الإلهام أنّه إلهامٌ ترتفع معه الوسائط كلهُّا وتضمحلُّ وتعدَم، لكن في الشُّهود لا في الوجود. وأمّا الاتِّحاديّة القائلون بوحدة الوجود فإنّهم يجعلون ذلك اضمحلالًا وعدمًا٣ في الوجود، ويجعلون صاحب
(١) ما عدا ع: "أعلاها" وهو تحريف. وكان "تعود" مهملًا في الأصل فوضع بعضهم نقطتين ليقرأ: "نفوذ" كما في النسخ الأخرى ما عدا ع، وهذا تصحيف أيضًا.
(٢) انظر: "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٦) وقد صدر المؤلف عنه في بعض تفسيره لدرجات الإلهام الثلاث.
(٣) ق، ج: "وعلى ما"، تحريف، وقد أصلح في ل. ويظهر أنه كان في م، ش على الصواب فغيَّره بعضهم إلى الخطأ.
"المنازل" منهم، وهو بريءٌ منهم عقلًا ودينًا وحالًا ومعرفةً. والله أعلم١.
فصل
المرتبة العاشرة من مراتب الهداية: الرُّؤيا الصّادقة.
وهي من أجزاء النُّبوّة كما ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "الرُّؤيا الصّادقة جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوّة"٢.
وقد قيل في سبب هذا التّخصيص بالعدد٣ المذكور: إنّ أوّل مبدأ الوحي٤ كان هو الرُّؤيا الصّادقة، وذلك نصف سنةٍ. ثمّ انتقل إلى وحي اليقظة مدّة ثلاثٍ وعشرين سنةً من حين بُعِث إلى أن توفِّي صلوات الله وسلامه عليه. فنسبةُ مدّة الوحي في المنام من ذلك جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا٥.
وهذا حسنٌ، لولا ما جاء في الرِّواية الأخرى الصّحيحة٦: "إنّها جزءٌ
(١) الجملة "والله أعلم" ساقطة من ل.
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٨٧) ومسلم (٢٢٦٤) من حديث عبادة بن الصامت، وفيه: "رؤيا المؤمن". وفي حديث أبي سعيد في البخاري (٦٩٨٩): "الرؤيا الصالحة"، وكذا في حديث أبي هريرة في مسلم (٢٢٦٣/ ٨).
(٣) "بالعدد" ساقط من ع.
(٤) ع: "مبتدأ الوحي".
(٥) نقله الخطابي عن "بعض أهل العلم" في "أعلام الحديث" (٤/ ٢٣١٥)، و"معالم السنن" (٤/ ١٣٩). وقال ابن بطال أيضًا في "شرح البخاري" (٩/ ٥١٨): "ذكره أبو سعيد السفاقسي عن بعض أهل العلم".
(٦) أخرجها مسلم (٢٢٦٥) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وقد ذكرها المؤلف هنا بالمعنى.