مدارج السالكين

تجلّى لهم سبحانه وأراهم نفسَه، فإنّهم لا يشعرون في تلك الحال بشيءٍ من النّعيم، ولا يلتفتون إلى سواه البتّة، كما صرّح به في الحديث١ في قوله: «فلا يلتفتون إلى شيءٍ من النّعيم ما داموا ينظرون إليه»٢.

والمعنى: أنّ هذا اللّائح الذي ألاحَه سبحانه لهم أذهلَهم عن الشُّعور بغيره.

قوله: (وهيّمَهم عن شهودِ ما هم له). يحتمل أن يكون مراده: أنّ هذا اللّائح هيّمَهم عن شهود ما خُلقوا له، فلم يبق فيهم اتِّساعٌ للجمع بين الأمرين. وهذا وإن كان لقوّة الوارد فهو دليلٌ على ضعف المحلِّ، حيث لم يتّسع القلبُ معه لذِكْر ما خُلِق له، والكمالُ أن يجتمع له الأمران.

ويحتمل أن يريد به: أنّ هذا اللّائح غيّبَهم عن شهود أحوالهم التي هم لها في تلك الحال، فغابوا بمشهودهم عن شهودهم، وبمعروفهم عن معرفتهم، وبمعبودهم عن عبادتهم، فإنّ الهائمَ لا يشعر بما هو فيه ولا بحال نفسه، وفي «الصِّحاح»٣: الهُيام كالجنون مِن العِشق.

قوله: (وضنّ بحالهم على علمهم) أي: بَخِلَ به، والمعنى لم يمكن علمهم أن يدرك حالهم وما هم عليه.

قوله: (فاستسرُّوا عنهم) أي: اختفوا حتّى عن أنفسهم، فلم تعلم نفوسُهم كيفَ هم! ولا تبادِر بإنكار هذا، تكن ممّن لا يصل إلى العنقود

  1. (١) في ر، ط زيادة «الصحيح».
  2. (٢) تقدم تخريجه (٢/ ٣٣٠).
  3. (٣) (٥/ ٢٠٦٢ - ٢٠٦٣).
50

فيقول: هو حامضٌ.

قوله: (مع شواهد تشهد لهم بصحّة مقامهم) يريد: أنّهم لم يعطِّلوا أحكامَ العبوديّة في هذه الحال، فيكون ذلك شاهدًا عليهم بفساد أحوالهم، بل لهم مع ذلك شواهد صحيحةٌ، تشهد لهم بصحّة مقاماتهم، وتلك الشّواهد: هي القيام بالأمر وآداب الشّريعة ظاهرًا وباطنًا.

قوله: (عن قصدٍ صادقٍ١، يهيِّجه غيبٌ) يجوز أن يتعلّق هذا الحرف وما بعده بمحذوفٍ دلّ عليه الكلامُ؛ أي: حصل لهم ذلك عن قصدٍ صادقٍ؛ أي: لازمٍ ثابتٍ، لا يلحقه تلوُّنٌ، (يهيِّجه غيبٌ) أي: أمرٌ غائبٌ عن إدراكهم هيّج لهم ذلك القصد الصّادق.

قوله: (وحبّ صادق يخفى عليه مبدأ علمه) أي: هم لا يعرفون مبدأ ما بهم، ولا يصل علمهم إليه؛ لأنّهم لمّا لاح لهم ذلك اللّائح استغرقَ قلوبَهم، وشغَلَ عقولَهم عن غيره، فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بوارِدِهم٢.

قوله: (ووَجْد غريب لا ينكشفُ لصاحِبِه٣ مُوقِدُه) أي: لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السببُ الذي أهاجَه له وأوقدَه في قلبه، فهو لا يعرفُ السّببَ الذي أوقَدَ٤ نارَ وَجْدِه.

  1. (١) ر، والمطبوعات: «سابق»! وفي بقية النسخ و«المنازل» كما هو مثبت.
  2. (٢) د: «بمواردهم» تصحيف.
  3. (٣) تقدم نقل المؤلف عن نص المنازل بلفظ: «له».
  4. (٤) ط: «أوجد».
51

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي