قوله: (مع شواهد تشهد لهم بصحّة مقامهم) يريد: أنّهم لم يعطِّلوا أحكامَ العبوديّة في هذه الحال، فيكون ذلك شاهدًا عليهم بفساد أحوالهم، بل لهم مع ذلك شواهد صحيحةٌ، تشهد لهم بصحّة مقاماتهم، وتلك الشّواهد: هي القيام بالأمر وآداب الشّريعة ظاهرًا وباطنًا.
قوله: (عن قصدٍ صادقٍ١، يهيِّجه غيبٌ) يجوز أن يتعلّق هذا الحرف وما بعده بمحذوفٍ دلّ عليه الكلامُ؛ أي: حصل لهم ذلك عن قصدٍ صادقٍ؛ أي: لازمٍ ثابتٍ، لا يلحقه تلوُّنٌ، (يهيِّجه غيبٌ) أي: أمرٌ غائبٌ عن إدراكهم هيّج لهم ذلك القصد الصّادق.
قوله: (وحبّ صادق يخفى عليه مبدأ علمه) أي: هم لا يعرفون مبدأ ما بهم، ولا يصل علمهم إليه؛ لأنّهم لمّا لاح لهم ذلك اللّائح استغرقَ قلوبَهم، وشغَلَ عقولَهم عن غيره، فهم مأخوذون عن أنفسهم مقهورون بوارِدِهم٢.
قوله: (ووَجْد غريب لا ينكشفُ لصاحِبِه٣ مُوقِدُه) أي: لا ينكشف لصاحب هذا الوجد السببُ الذي أهاجَه له وأوقدَه في قلبه، فهو لا يعرفُ السّببَ الذي أوقَدَ٤ نارَ وَجْدِه.
(١) ر، والمطبوعات: «سابق»! وفي بقية النسخ و«المنازل» كما هو مثبت.
(٢) د: «بمواردهم» تصحيف.
(٣) تقدم نقل المؤلف عن نص المنازل بلفظ: «له».
(٤) ط: «أوجد».
قوله: (وهذا من أرقِّ١ مقامات أهل الولاية) جعله رقيقًا لكون الحسِّ مقهورًا مغلوبًا عند صاحبه، والعلم والمعرفة لا يحكمان عليه، فضلًا عن الحسِّ والعادة.
وحاصل هذا المقام: الاستغراق في الفناء، وهو الغاية عند الشّيخ! والصّحيح أنّ أهل الطّبقة الثّانية أعلى من هؤلاء وأرفع مقامًا، وهم الكُمّل؛ وهم أقوى منهم، كما كان مقام رسول الله ﷺ ليلة الإسراء أرفع مِن مقام موسى يوم التّجلِّي، ولم يحصل لرسول الله ﷺ من الفناء ما حصل لموسى، وكان حبُّ امرأة العزيز ليوسف أعظم من حبِّ النِّسوة، ولم يحصل لها من تقطيع الأيدي ونحوه ما حصل لهنّ، وكان حبُّ أبي بكرٍ لرسول الله ﷺ أعظم مِن حبِّ عمر وغيره له، ولم يحصل له عند موته من الاضطراب والغَشْي والإقعاد ما حصل لغيره.
فأهلُ البقاء والتّمكُّن٢ أقوى حالًا وأرفع مقامًا من أهل الفناء، وبالله التّوفيق.
✽ ✽ ✽
(١) تقدم (ص ٤٧) التعليق على الاختلاف في الكلمة هل هي أرق أو أدق. وبالراء أنسب لشرح المؤلف.