مدارج السالكين

الخروج والانفصال، فمنه النّفَل؛ لأنّه زائدٌ على الأصل خارجٌ عنه، ومنه: النّفْي والنّفْر والنّفْش١، ونفَقَت الدّابّة، ونَفِسَت المرأةُ ونُفِسَت: إذا حاضت أو ولدت، فالنّفَس: خروجٌ وانفصالٌ يستريح به المتنفِّس.

قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ، وهي تُشابِه درجاتِ الوقت) وجه الشّبه بينهما أنّ الأوقات تعدُّ بالأنفاس فدرجاتُها كدرجاتها.

وأيضًا فالوقت، كما قال هو: (حين وجدٍ صادقٍ)٣ فقيّد الحينَ بالوجد، والوجدَ بالحين٤، وقال في هذا الباب: (هو نفَسٌ في حين استتارٍ)، فقيّد النّفَس بالحين وبالوجد، وقيّد به الوقت، فهو معتبرٌ بهما.

وأيضًا فالوقت والنّفَس لهما أسبابٌ تعرض للقلب بسبب حجبه٥ مطلوبه، أو مفارقةِ حالٍ كان فيها فاستترت عنه، فبينهما تشابهٌ٦ من هذه الوجوه وغيرها.

قال٧: (والأنفاس ثلاثةٌ: نفَسٌ في حين استتارٍ، مملوء من الكَظْم،

  1. (١) اختلفت النسخ في ترتيب هذه الثلاثة، وقع في ت، ر، والطبعات: «النفس» والصواب من ش، د. ونفش الصوف إذا شعثه وفرّقه.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٨٦).
  3. (٣) «المنازل» (ص ٨٢).
  4. (٤) ط: «بالصدق» خلاف النسخ.
  5. (٥) ر، ط: «حجبه عن»، ت: «حجب».
  6. (٦) ت: «مناسبة».
  7. (٧) «المنازل» (ص ٨٦ - ٨٧). وقبله في ط: «فصل».
54

متعلِّقٌ بالعلم، إن تنَفّس تنَفّس بالأسف١، وإن نطق نطق بالحزن٢، وعندي هو متولِّدٌ من وحشة الاستتار، وهي الظُّلمة التي قالوا: إنّها مقامٌ).

قوله: (نفَسٌ في حين استتارٍ) أي: يكون له حالٌ صادقٌ وكشفٌ صحيحٌ، فيستتر عنه بحكم الطّبيعة والبشريّة ولا بدّ، فيضيق بذلك صدرُه، ويمتلئ كظمًا بحجب ما كان فيه واستتاره عنه لأسبابٍ فاعليّةٍ وغائيّةٍ، سَتَرِدُ عليك إن شاء الله، فإذا تنفّس في هذه الحال فتنفُّسه تنفُّس الحزين المكروب.

قوله: (مملوء من الكظم) الكظم: هو الإمساك، ومنه: كظَم غيظَه، إذا تجرّعه وحبَسه ولم يخرجه.

قوله: (متعلِّقٌ بالعلم) يريد: أنّ ذلك النّفَس متعلِّقٌ بأحكام العلم الظّاهر لا بأحكام الحال، وذلك هو البلاء الذي تقدّم ذِكْر الشّيخ له٣، وهو بلاء العبد بين الاستجابة لداعي العلم وداعي الحال.

وإنّما كان ذلك نفَسَ مكظومٍ بخلوِّه٤ في هذه الحال من أحكام المحبّة التي تهوِّن الشّدائد، وتسهِّل الصّعب، وتحمل الكلّ، وتُعين على نوائب الحقِّ، وتعلُّقه بالعلم الذي هو داعي التّفرُّق، فإنّ كرْبَ المحبّة ممزوجٌ بالحلاوة، فإذا خلا من أحكامها إلى أحكام العلم فقدَ تلك الحلاوة، واشتاق

  1. (١) في «المنازل»: «وإن تنفس تنفّس نفس المتأسّف»، والمثبت موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ٤٨١).
  2. (٢) في «المنازل»: «بالحرب». وفي بعض نسخه كما هو مثبت. وعليه شرح المؤلف كما سيأتي.
  3. (٣) من ت، ر. وينظر «منازل السائرين» (ص ٨٥ - ٨٦).
  4. (٤) ت، ر، ط: «لخلوّه».
55

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي