مدارج السالكين

متعلِّقٌ بالعلم، إن تنَفّس تنَفّس بالأسف١، وإن نطق نطق بالحزن٢، وعندي هو متولِّدٌ من وحشة الاستتار، وهي الظُّلمة التي قالوا: إنّها مقامٌ).

قوله: (نفَسٌ في حين استتارٍ) أي: يكون له حالٌ صادقٌ وكشفٌ صحيحٌ، فيستتر عنه بحكم الطّبيعة والبشريّة ولا بدّ، فيضيق بذلك صدرُه، ويمتلئ كظمًا بحجب ما كان فيه واستتاره عنه لأسبابٍ فاعليّةٍ وغائيّةٍ، سَتَرِدُ عليك إن شاء الله، فإذا تنفّس في هذه الحال فتنفُّسه تنفُّس الحزين المكروب.

قوله: (مملوء من الكظم) الكظم: هو الإمساك، ومنه: كظَم غيظَه، إذا تجرّعه وحبَسه ولم يخرجه.

قوله: (متعلِّقٌ بالعلم) يريد: أنّ ذلك النّفَس متعلِّقٌ بأحكام العلم الظّاهر لا بأحكام الحال، وذلك هو البلاء الذي تقدّم ذِكْر الشّيخ له٣، وهو بلاء العبد بين الاستجابة لداعي العلم وداعي الحال.

وإنّما كان ذلك نفَسَ مكظومٍ بخلوِّه٤ في هذه الحال من أحكام المحبّة التي تهوِّن الشّدائد، وتسهِّل الصّعب، وتحمل الكلّ، وتُعين على نوائب الحقِّ، وتعلُّقه بالعلم الذي هو داعي التّفرُّق، فإنّ كرْبَ المحبّة ممزوجٌ بالحلاوة، فإذا خلا من أحكامها إلى أحكام العلم فقدَ تلك الحلاوة، واشتاق

  1. (١) في «المنازل»: «وإن تنفس تنفّس نفس المتأسّف»، والمثبت موافق لـ «شرح التلمساني» (ص ٤٨١).
  2. (٢) في «المنازل»: «بالحرب». وفي بعض نسخه كما هو مثبت. وعليه شرح المؤلف كما سيأتي.
  3. (٣) من ت، ر. وينظر «منازل السائرين» (ص ٨٥ - ٨٦).
  4. (٤) ت، ر، ط: «لخلوّه».
55

إلى ذلك الكرب، كما قيل١:

تشكّى٢ المحبُّون الصّبابةَ ليتنيتحمّلت ما يلقون من بينهم وحدي
فكانت لقلبي لذّةُ الحبِّ كلُّهافلم يلْقَها قبلي محبٌّ ولا بعدي

قوله: (إن تنفّس تنفّس بالأسف). الأسف: الحزن، كقوله تعالى عن يعقوب: ﴿يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، والأسف: الغضب، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] وهو في هذا الموضع: الحزن على ما توارى عنه من مطلوبه أو مِن صِدْق حاله.

قوله: (أو٣ نطَقَ نطَقَ بالحزن) يعني: أنّ هذا المتنفِّس إن نطق نطق بما يدلُّ على الحزن على ما توارى عنه، فمصدر تنفُّسه ونُطْقه حزنُه على ما حُجِب عنه.

قوله: (وعندي: أنّه يتولّد من وَحْشة الاستتار) يريد: أنّ هذا الأسف وإن أضيف إلى الاستتار والحجاب فتولُّده: إنّما هو من الوحشة التي سببها الاستتار والحَجْب؛ وكأنّ الاستتار عنده سبب السّبب فيتولّد الأسف٤ من تلك الوحشة المتولِّدة من الاستتار، وهذا صحيحٌ؛ فإنّه لمّا كان مطلوبه

  1. (١) البيتان في «ديوان الحماسة»: (٢/ ٣٠)، وهما في «ديوان مجنون ليلى» (ص ٩٢). وذكرهما المؤلف في «الداء والدواء» (ص ٤٢٧)، و«روضة المحبين» (ص ٤٠، ٢٤٨).
  2. (٢) ش، د: «ويشكو» تحريف، ر: بدون الواو. والمثبت من ت والمصادر.
  3. (٣) ر، ط: «وإن» وتقدم نقل المؤلف عن «المنازل» كذلك.
  4. (٤) قوله: «والحجب ...» إلى هنا مكانه في ر، ط بعد قول صاحب «المنازل»: «وحشة الاستتار».
56

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي