مدارج السالكين

وأيضًا: ليتزايد طلبُه، ويقوى شوقُه، فإنّه لو دامت له تلك الحال لألِفَها واعتادَها، ولم تقع منه «موقعَ الماء مِن ذي الغُلّة الصّادي»١، ولا موقع الأمن من الخائف، وموقع٢ الوِصال من المهجور، فالرّبُّ تعالى واراها عنه ليكمُل فرحُه ولذّتُه وسرورُه بها.

وأيضًا: فليعرِّفه سبحانه قدرَ نعمتِه بما أعطاه وخلَعَ عليه، فإنّه لمّا ذاقَ مرارةَ الفَقْد عرفَ حلاوةَ الوجود، فإنّ الأشياء تتبيّن بأضدادها.

وأيضًا: فيعرِّفه فقرَه وحاجتَه وضرورتَه إلى ربِّه، وأنّه غيرُ مستغنٍ عن فضله وبرِّه طرفةَ عَينٍ، وأنّه إن انقطعَ عنه إمدادُه فسَدَ بالكلِّيّة.

وأيضًا: فيُعرِّفه أنّ ذلك الفضل والعطاء ليس لسببٍ من العبد، وأنّه عاجزٌ عن تحصيلها بكسبٍ أو اختيارٍ، وأنّها مجرّد موهبةٍ وصدَقةٍ تصدّق الله بها عليه لا يبلُغها عملُه ولا ينالُها سعيُه.

وأيضًا: فيُعرِّفه عزّه في مَنْعه، وبرّه في عطائه، وكرمه وجوده في عَوده عليه بما حَجَب عنه، فينفتح على قلبه من معرفة الأسماء والصِّفات بسبب هذا الاستتار والكشف بعده أمورٌ غريبةٌ عجيبةٌ، يعرفها الذّائقُ لها، ويُنكرها مَن ليس مِن أهلها.

  1. (١) من قول القطامي:
    فهنَّ ينبذن من قولٍ يُصِبْن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي
    انظر: «ديوانه» (ص ٨١). وقد أنشده المؤلف مع بيتٍ آخر قبله في «روضة المحبين» (ص ٤٧٤).
  2. (٢) ط: «ولا موقع».
58

وأيضًا: فإنّ الطّبيعة والنّفس لم يموتا، ولم١ يعدما بالكلِّيّة، ولولا ذلك لما قام سوق التّكليف والامتحان في هذا العالَم، بل قُهِرتا بسلطان العلم والإيمان والمعرفة٢ والمحبّة، والمقهورُ المغلوبُ لا بدّ أن يتحرّك أحيانًا وإن قلّت، ولكن حركة أسيرٍ مقهورٍ بعد أن كانت حركتُه حركةَ أميرٍ مسلّطٍ.

فمِن تمام إحسان الرّبِّ إلى عبده، وتعريفه قدر نعمته: أن أراه في الأحيان٣ ما كان حاكمًا عليه قاهرًا له، وقد تقاضاه٤ ما كان يتقاضاه منه أوّلًا، فحينئذٍ يستغيث العبدُ بربِّه ووليِّه ومالكِ أمرِه كلِّه: «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك».

وأيضًا: فإنّه يُزيل من قلبه آفةَ الرُّكون إلى نفسه أو عمله أو حاله، كما قيل: إن ركنتَ إلى العلم أنْسَيناكَه، وإن ركنتَ إلى الحال سلبناك إيّاه، وإن ركنتَ إلى المعرفة حجبناها عنك، وإن ركنتَ إلى قلبك أفسدناه عليك، فلا يركن العبدُ إلى شيءٍ سوى الله البتّة، ومتى وجدَ مِن٥ قلبِه رُكُونًا إلى غيره فليعلم أنّه قد أُحِيل على مفلِسٍ، بل مُعْدِمٍ، وأنّه قد فُتِح له بابُ مَكر٦، فليحذر وُلُوجَه، والله المستعان.

  1. (١) من ش.
  2. (٢) ر، ط: «قهرا بسلطان العلم والمعرفة والإيمان».
  3. (٣) ر، ط: «الأعيان».
  4. (٤) ر، ط: «تقاضى».
  5. (٥) ليست في ش.
  6. (٦) ط: «الباب مكرا». وينظر بعض هذه العبارات في «الفوائد» (ص ٢٨٥ - ٢٨٦) نقلًا عمن سمَّاه المؤلف بـ «الشيخ علي».
59

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي