وأيضًا: فإنّ الطّبيعة والنّفس لم يموتا، ولم١ يعدما بالكلِّيّة، ولولا ذلك لما قام سوق التّكليف والامتحان في هذا العالَم، بل قُهِرتا بسلطان العلم والإيمان والمعرفة٢ والمحبّة، والمقهورُ المغلوبُ لا بدّ أن يتحرّك أحيانًا وإن قلّت، ولكن حركة أسيرٍ مقهورٍ بعد أن كانت حركتُه حركةَ أميرٍ مسلّطٍ.
فمِن تمام إحسان الرّبِّ إلى عبده، وتعريفه قدر نعمته: أن أراه في الأحيان٣ ما كان حاكمًا عليه قاهرًا له، وقد تقاضاه٤ ما كان يتقاضاه منه أوّلًا، فحينئذٍ يستغيث العبدُ بربِّه ووليِّه ومالكِ أمرِه كلِّه: «يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، يا مصرِّف القلوب صرِّف قلبي على طاعتك».
وأيضًا: فإنّه يُزيل من قلبه آفةَ الرُّكون إلى نفسه أو عمله أو حاله، كما قيل: إن ركنتَ إلى العلم أنْسَيناكَه، وإن ركنتَ إلى الحال سلبناك إيّاه، وإن ركنتَ إلى المعرفة حجبناها عنك، وإن ركنتَ إلى قلبك أفسدناه عليك، فلا يركن العبدُ إلى شيءٍ سوى الله البتّة، ومتى وجدَ مِن٥ قلبِه رُكُونًا إلى غيره فليعلم أنّه قد أُحِيل على مفلِسٍ، بل مُعْدِمٍ، وأنّه قد فُتِح له بابُ مَكر٦، فليحذر وُلُوجَه، والله المستعان.
(١) من ش.
(٢) ر، ط: «قهرا بسلطان العلم والمعرفة والإيمان».
(٣) ر، ط: «الأعيان».
(٤) ر، ط: «تقاضى».
(٥) ليست في ش.
(٦) ط: «الباب مكرا». وينظر بعض هذه العبارات في «الفوائد» (ص ٢٨٥ - ٢٨٦) نقلًا عمن سمَّاه المؤلف بـ «الشيخ علي».
قوله: (وهي الظُّلمة التي قالوا: إنّها مقامٌ). يعني: أنّ وحشة الاستتار ظلمةٌ. وقد قال قومٌ: إنّها مقامٌ.
ووجهه: أنّ الرّبّ سبحانه يقيمُ عبدَه بحكمته فيها، لِما ذكرناه من الحِكَم والفوائد، وغيرها ممّا لم نذكره. فبهذا الاعتبار يكون مقامًا، ولكنّ صاحب هذا المقام أنفاسُه أنفاسُ حزنٍ وأسفٍ، وهلاكٍ وتلفٍ، لِما حُجِب عنه من المقام الذي كان فيه.
والشّيخ كأنّه لا يرى ذلك مقامًا، فإنّ المقامات هي منازل في طريق المطلوب، وكلُّ أمرٍ أُقيمَ فيه السّالك مِن حاله الذي يقدِّمه إلى مطلوبه فهو مقامٌ، وأمّا وحشة الاستتار فهي تأخُّرٌ في الحقيقة لا تقدُّمٌ، فكيف تسمّى مقامًا؟! بل هي ضدُّ المقام.
وممّا يدلُّ على أنّ وحشة الاستتار ليست مقامًا أنّ كلّ مقامٍ فهو تعلُّقٌ بالحقِّ سبحانه على وجه الثُّبوت، وحقيقته: أن يكون العبد بالمقيم لا بالمقام. وأمَّا حال الاستتار: فهو حال انقطاعٍ عن ذلك التعلُّق المذكور.
والتّحقيق في ذلك: أنّ له وجهين؛ هو من أحدهما ظُلمةٌ ووحْشَةٌ، ومن الثّاني مقامٌ، فهو باعتبار الحال وباعتبار نفسِه ليس مقامًا، وباعتبار المآل وما يترتّب عليه، وما فيه من تلك الحِكَم والفوائد المذكورة فهو مقامٌ. وبالله التّوفيق١.