مدارج السالكين

منها: قوّته، فإنّ المعارف والعلوم تتفاوت.

ومنها: صفاءُ المحلِّ ونقاؤه من الكَدَر المانع من ظهور العلم والمعرفة فيه.

ومنها: التّجرُّد عن الموانع والشّواغل.

ومنها: كمال الالتفات والتّحديق نحو المعروف المشهود.

ومنها: كمال الأُنْس به والقُرب منه. إلى غير ذلك من الأسباب التي توجب للقلب شهودًا وكشفًا وراء مجرّد العلم.

قوله: (وهو نفَسٌ شاخصٌ عن مقام السُّرور) أي: صادرٌ عن مقام السُّرور، والشُّخوص: الخروج، يقال: شخَصَ فلانٌ إلى بلد كذا إذا خرج إليه.

والمقصودُ: أنّ هذا النّفَس صدَر عن سرورٍ وفرحٍ، بخلاف الأوّل، فإنّه صدَر عن ظُلمةٍ ووحشةٍ أثارت حُزنًا، فهذا النّفَس صدَر عن سماع الإجابة الذي يمحو آثار الوحشة.

قوله: (إلى رَوح المعاينة) هو بفتح الرّاء، وهو النّعيم والرّاحة التي تحصل بالمعاينة ضدّ الألم والوحشة الحاصل١ في حين الاستتار، فهذا النّفَس مصدرُه السُّرور، ونهايتُه رَوح المعاينة، صادر عن مسرّةٍ، طالب لمعاينة٢.

  1. (١) ر، والمطبوعتان: «الحاصلين».
  2. (٢) ط: «صادرا .. طالبا المعاينة».
62

وأصحُّ ما يُحمَل عليه كلام الشّيخِ وأمثالِه مِن أهل الاستقامة في «المعاينة» أنّها: تزايد العلم حتّى يصير يقينًا، ولا يصِل أحدٌ١ إلى عين اليقين في هذه الدّار، وإن خالف في ذلك مَن خالف، فالغلط من لوازم الطّبيعة، والعلم يميِّز بين الغلط والصّواب.

وقد أشعرَ كلامُ الشّيخ هاهنا بأنّ التّجلِّي دون المعاينة، فإنّ التّجلِّي قد يكون من وراء سترٍ رقيقٍ وحاجزٍ لطيفٍ، والكشف والعيان هو الظُّهور من غير سترٍ، فإذا كان مسرورًا بحال التّجلِّي كانت أنفاسُه متعلِّقةً بمقام المعاينة الذي هو فوق مقام التّجلِّي، ولهذا جعله شاخصًا إليها.

قوله: (مملوءٌ من نور الوجود) يريد: أنّ هذا النّفَس مملوءٌ من نور الوجود، و«الوجود» عنده: هو حضرة الجمع، فكأنّه يقول: هذا النّفَس منصبغٌ مكتسٍ بنور الوجود، فإنّ صاحبه لمّا تنفّس به كان في مقام الجمع والوجود.

قوله: (شاخصٌ إلى منقَطَع الإشارة) لمَّا كان قلبُه مملوءًا من نور الوجود، وكان شاخصًا إلى المعاينة مستفرّغًا كلِّيّتَه في طلبها= كان شاخصًا إلى حضرة الجَمْع، التي هي منقَطَع الإشارة٢، فلا إشارة هناك ولا عبارة ولا رَسْم، بل تفنى الإشاراتُ، وتعجز العبارات، وتضمحلُّ الرُّسوم.

  1. (١) من ر، ط.
  2. (٢) من قوله: «لما كان قلبه ...» إلى هنا من ت، ر، فربما كان زيادة للمؤلف لم ترد في أصول ش، د، أو سقطت من ش، د بسبب انتقال النظر. وبعده في ر: «عندهم فضلًا عن العبارة» وقدّمنا في الدراسة أن تفردات نسخة ر لا نثبت منها إلا ما كان ضروريّا.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي