مسعودٍ: ما كنّا نُبْعِد أنّ السّكينةَ تنْطِق على لسان عمر١.
وهذا نطقٌ غير النُّطق النّفسانيِّ الطّبيعيِّ، ولهذا سمِّي هذا النّفَس بصدق النُّور لشدّة٢ تعلُّقه بالنُّور وملازمته له.
قوله: (قائمٌ بإشارات الأزل) أي: هذا النّفَس منزّهٌ مطهّرٌ عن إشارات الحدوث، قد ترحّل عنها وفارقها إلى إشارات الأزل، ويعني بإشارات الأزل أنّه قد فني في عيانه الذي شخَصَ إليه مَن لم يكن وبقي مَن لم يزل، فصارت أنفاسُه من جملة إشارات الأزل.
ولم يُرِد الشّيخُ أنّ أنفاسَه تنقلب أزليّةً، فمَن هو دون الشّيخ لا يتوهّم هذا، بل أنفاسُ الخلق متعلِّقةٌ بمن لم يكن، وهذا نفَسُه متعلِّقٌ بمن لم يزل٣.
وبعد، فللملحد هاهنا مجالٌ٤، لكنّه في الحقيقة وهمٌ باطلٌ وخيالٌ.
وفي قوله: (يسمّى بصدق٥ النُّور) لطيفةٌ، وهي أنّ السّالك يلوح له في سلوكه النُّور مرارًا ثمّ يختفي عنه، كالبرق يلمع ثمّ يختفي، فإذا٦ قوي ذلك النُّورُ ودامَ ظهورُه، صار نورًا صادقًا.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ر، ط: «لصدق شدة».
(٣) العبارة في ر: «الخلق متعلقة وهذا نفسه بمن لم يزل».
(٤) يقصد العفيف التلمساني كما تقدم في شرحه على «المنازل» (ص ٤٨٥).
أي: النّفَس الأوّل سراجٌ في ظُلمة السُّلوك، لتعلُّقه بالعلم، كما تقدّم، والعلم سراجٌ يُهتدى به في طرقات القصد، ويوضِّح مسالكها، ويبيِّن مراتبها، فهو سراجٌ للعيون.
والنّفَس الثّاني للقاصد معراجٌ، فإنّه أعلى من الأوّل؛ لأنّه من نور المعرفة الرّافعة للحجاب.
والنّفَس الثّالث للمحقِّق تاجٌ، لأنّه نفَسٌ مطهّرٌ من أدناس الأكوان، ومتّصلٌ بالكائن قبل كلِّ شيءٍ، والمكوِّن لكلِّ شيءٍ، والكائن بعد كلِّ شيءٍ، فهذا تاجٌ لقلبه بمنزلة التّاج على رأس الملك.
فالنّفَس الأوّل يؤمِّن السّالكَ مِن عَثْرته، والثّاني يوصله إلى طَلِبَته، والثّالث يدلُّه على علوِّ مرتبته، والله أعلم.
✽ ✽ ✽
(١) «المنازل» (ص ٨٧).
(٢) في متن «المنازل»: «للغيور» وفي بعض نسخه كما هو مثبت، ووقع في شرحي التلمساني (ص ٤٨٦) والشطيبي (ص ٤٥٩): «للعبور»، ووقع في شرح الإسكندري: «للعَثُور» واستظهره محقق شرح الشطيبي، لأنه ذكر بعد ذلك رتبة القاصد ثم المحقق. وسقطت الكلمة من ش.