مدارج السالكين

في هذا المسجد، فقال: ما هو؟ قال: «إنّ الله يحبُّ الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يُفْتَقدوا، وإذا حضروا لم يُعرَفوا، قلوبُهم مصابيح الهدى يخرجون مِن كلِّ فتنةٍ عَمياء مظلمةٍ»١.

فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلّتهم في النّاس جدًّا سُمُّوا غرباء، فإنّ أكثر النّاس على غير هذه الصِّفات، فأهل الإسلام في النّاس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهلُ العلم في المؤمنين غرباء، وأهلُ السُّنّة الذين يميِّزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والدّاعون إليها الصّابرون على أذى المخالفين لهم أشدُّ هؤلاء غربةً، ولكنّ هؤلاء هم أهل الله حقًّا، فلا غربة عليهم، وإنّما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم، كما قيل٢:

فليس غريبًا من تناءت ديارُهولكنّ مَن تَنْأين عنه غريبُ
  1. (١) رواه الآجرّي في «الغرباء» (ص ٥٢) من هذه الطريق، وأخرجه ابن ماجه (٣٩٨٩)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (١٧٩٨)، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ١٥٣)، والحاكمُ: (٤/ ٣٢٨)، من طرق عن عيسى بن عبد الرحمن عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب به، وعيسى متروك الحديث. وله طريق آخرى أخرجها الحاكم (١/ ٤)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١٠٤٦) وغيرهم من طريق الليث بن سعد عن عياش بن عباس عن زيد بن أسلم به. وسنده صحيح إن ثبت سماع عياش من زيد.
  2. (٢) «كما قيل» ليست في ش. والبيت لامرئ القيس «ديوانه» (٢/ ٧٣٣ - الحاشية). وعجزه في ت: «بلى من تناءت عنه فهو غريب».
70

ولمّا خرج موسى ﵇ هاربًا من قوم فرعون انتهى إلى مدين على الحال التي ذَكَر الله، وهو وحيدٌ غريبٌ خائفٌ جائعٌ، فقال: يا ربِّ وحيدٌ مريضٌ غريبٌ، فقيل له: يا موسى الوحيد مَن ليس له مثلي أنيسٌ، والمريض مَن ليس له مثلي طبيبٌ، والغريب مَن ليس بيني وبينه معاملةٌ١.

فالغربة ثلاثة أنواعٍ:

غربة أهل الله وأهل سنّة رسوله٢ بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسولُ الله ﷺ أهلَها، وأخبر عن الدِّين الذي جاء به: أنّه بدأ غريبًا، وأنّه سيعود غريبًا٣، وأنّ أهله يصيرون غرباء.

وهذه الغربة قد تكون في مكانٍ دون مكانٍ، ووقتٍ دون وقتٍ، وبين قومٍ دون غيرهم٤، ولكنّ أهل هذه الغربة هم أهل الله حقًّا، فإنّهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ﷺ، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا النّاسَ أحوجَ ما كانوا إليهم، فإذا انطلق النّاسُ يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلقَ النّاس؟ فيقولون: فارَقْنا النّاسَ ونحن أحوجُ منَّا إليهم اليوم، وإنّا ننتظر ربَّنا الذي كنَّا نعبده٥.

  1. (١) لم أعثر عليه.
  2. (٢) في هامش ش، د « ﷺ» دون علامة اللحق.
  3. (٣) «وأنه سيعود غريبا» من ت، ر، وفي ط مع زيادة: «كما بدأ».
  4. (٤) ر: «قوم غيرهم».
  5. (٥) تقدم تخريجه وهو في «الصحيح».
71

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي