مدارج السالكين

فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش النّاس، وأشدُّ ما يكون وحشةً إذا استأنسوا، فوليُّه الله ورسوله والّذين آمنوا، وإن عاداه أكثرُ النّاس وجفوه.

وفي حديث القاسم، عن أبي أمامة، عن النّبيِّ ﷺ قال١: «إنَّ أغبَطَ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيف الحاذِ ذو حظٍّ من صلاة، أحسنَ عبادةَ ربِّه، وكان رزقه كفافًا، وكان مع ذلك غامضًا في النّاس، لا يُشار إليه بالأصابع، وصبَر على ذلك حتّى لقي الله، ثمّ حلّت منيّته، وقلَّ٢ تراثُه، وقلَّت بواكيه»٣.

ومن هؤلاء الغرباء: مَا٤ ذَكرَهم أنسٌ في حديثه عن النّبيِّ ﷺ: «ربّ أشعث أغبر، ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه»٥.

وفي حديث أبي إدريس الخولانيِّ، عن معاذ بن جبلٍ، عن النّبيِّ ﷺ قال: «ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنّة؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «كلُّ

  1. (١) زاد في ط: «عن الله تعالى».
  2. (٢) ت: «ثم دنت منيته»، د: «ثم قل تراثه».
  3. (٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد- زوائد نعيم» (١٩٦)، وأحمد في «مسنده» (٢٢١٦٧) و«الزهد» (ص ١١)، والترمذي (٢٣٤٧)، والطبراني في الكبير (٧٨٢٩)، والحاكم: (٤/ ١٢٣) وغيرهم من طرق عن عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم به. وإسناده ضعيف جدا مسلسل بالضعفاء، وله طرق أخرى ضعيفة أيضا، ينظر حاشية «المسند» (٣٦/ ٤٩٩).
  4. (٤) د: «غرباء»، وش: «من» بدل ما.
  5. (٥) تقدم تخريجه.
72

ضعيفٍ أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه»١.

وقال الحسن: المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع مِن ذلِّها، ولا ينافس في عزِّها، للناس حالٌ وله حالٌ، النّاس منه في راحةٍ وهو من نفسه في تعبٍ٢.

ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطَهم النّبيُّ ﷺ: التّمسُّكُ بالسُّنّة إذا رغب عنها النّاس، وتَرْكُ ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريدُ التّوحيد وإن أنكرَ ذلك أكثر النّاس، وتَرْكُ الانتساب إلى أحدٍ غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبوديّة له وحده، وإلى رسوله بالاتِّباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، وأكثر النّاس بل كلُّهم لائمٌ لهم؛ فلغربتهم بين هذا الخلق: يَعُدُّونهم أهلَ شذوذٍ وبدعةٍ، ومفارَقةٍ للسّواد الأعظم.

ومعنى قول النّبيِّ ﷺ: «إنهم٣ النُّزّاع من القبائل» أنّ الله سبحانه بعث رسولَه وأهل الأرض على أديانٍ مختلفةٍ، فهم بين عبّاد أوثانٍ وعُبّاد نيرانٍ، وعبّاد صلبانٍ٤، ويهودٍ وصابئةٍ وفلاسفةٍ، وكان٥ الإسلام في أوّل ظهوره غريبًا، وكان مَن أسلم منهم واستجاب لله ورسوله غريبًا في حيِّه وقبيلته وأهله

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (٧٨)، وأخرجه من طريق أخرى بنحوه أحمد في «الزهد» (ص ٢٦٢)، وابن أبي شيبة (٣٦٣٥٨)، وغيرهم ... وقوله: «الناس منه .. في تعب» ليست في د، ت.
  3. (٣) ر: «هم».
  4. (٤) ر، ط زيادة: «صور وصلبان».
  5. (٥) ش: «فكان».
73

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي