مدارج السالكين

ضعيفٍ أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه»١.

وقال الحسن: المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع مِن ذلِّها، ولا ينافس في عزِّها، للناس حالٌ وله حالٌ، النّاس منه في راحةٍ وهو من نفسه في تعبٍ٢.

ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطَهم النّبيُّ ﷺ: التّمسُّكُ بالسُّنّة إذا رغب عنها النّاس، وتَرْكُ ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريدُ التّوحيد وإن أنكرَ ذلك أكثر النّاس، وتَرْكُ الانتساب إلى أحدٍ غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبوديّة له وحده، وإلى رسوله بالاتِّباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًّا، وأكثر النّاس بل كلُّهم لائمٌ لهم؛ فلغربتهم بين هذا الخلق: يَعُدُّونهم أهلَ شذوذٍ وبدعةٍ، ومفارَقةٍ للسّواد الأعظم.

ومعنى قول النّبيِّ ﷺ: «إنهم٣ النُّزّاع من القبائل» أنّ الله سبحانه بعث رسولَه وأهل الأرض على أديانٍ مختلفةٍ، فهم بين عبّاد أوثانٍ وعُبّاد نيرانٍ، وعبّاد صلبانٍ٤، ويهودٍ وصابئةٍ وفلاسفةٍ، وكان٥ الإسلام في أوّل ظهوره غريبًا، وكان مَن أسلم منهم واستجاب لله ورسوله غريبًا في حيِّه وقبيلته وأهله

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (٧٨)، وأخرجه من طريق أخرى بنحوه أحمد في «الزهد» (ص ٢٦٢)، وابن أبي شيبة (٣٦٣٥٨)، وغيرهم ... وقوله: «الناس منه .. في تعب» ليست في د، ت.
  3. (٣) ر: «هم».
  4. (٤) ر، ط زيادة: «صور وصلبان».
  5. (٥) ش: «فكان».
73

وعشيرته.

وكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزّاعًا من القبائل، آحادًا١ منهم تفرّقوا٢ عن قبائلهم وعشائرهم، ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقًّا، حتّى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل النّاسُ فيه٣ أفواجًا، فزالت تلك الغُربةُ عنهم، ثمّ أخذ في الاغتراب والتّرحُّل، حتّى عاد غريبًا كما بدأ، بل الإسلام الحقُّ الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه هو اليوم أشدُّ غربةً منه في أوّل ظهوره، وإن كانت أعلامُه ورسومُه الظّاهرة مشهورةً معروفةً، فالإسلام الحقيقيُّ غريبٌ جدًّا، وأهله غرباء٤ بين النّاس.

وكيف لا تكون فرقةٌ واحدةٌ قليلةٌ جدًّا غريبةً بين اثنتين وسبعين فرقةً، ذات أتباعٍ ورئاساتٍ ومناصب وولاياتٍ، لا يقوم لها سوقٌ إلّا بمخالفة ما جاء به الرّسولُ ﷺ؟ فإنّ نفس ما جاء به يضادُّ أهواءهم٥، وما هم عليه من الشُّبهات٦ التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشّهوات التي هي غاية٧ مقاصدهم وإراداتهم؟

فكيف لا يكون المؤمن السّائر إلى الله على طريق المتابعة غريبًا بين

  1. (١) ر، ط: «بل آحادا».
  2. (٢) ت، ر: «تغربوا».
  3. (٣) ش: «ودخل فيه»، د: «فيها».
  4. (٤) ط زيادة: «أشدّ الغربة».
  5. (٥) ر، ط زيادة: «ولذّاتهم»، وت: «وآراءهم».
  6. (٦) ر، ط زيادة: «والبدع».
  7. (٧) ر، ط: «غايات».
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي