مدارج السالكين

وعشيرته.

وكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزّاعًا من القبائل، آحادًا١ منهم تفرّقوا٢ عن قبائلهم وعشائرهم، ودخلوا في الإسلام، فكانوا هم الغرباء حقًّا، حتّى ظهر الإسلام وانتشرت دعوته ودخل النّاسُ فيه٣ أفواجًا، فزالت تلك الغُربةُ عنهم، ثمّ أخذ في الاغتراب والتّرحُّل، حتّى عاد غريبًا كما بدأ، بل الإسلام الحقُّ الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه هو اليوم أشدُّ غربةً منه في أوّل ظهوره، وإن كانت أعلامُه ورسومُه الظّاهرة مشهورةً معروفةً، فالإسلام الحقيقيُّ غريبٌ جدًّا، وأهله غرباء٤ بين النّاس.

وكيف لا تكون فرقةٌ واحدةٌ قليلةٌ جدًّا غريبةً بين اثنتين وسبعين فرقةً، ذات أتباعٍ ورئاساتٍ ومناصب وولاياتٍ، لا يقوم لها سوقٌ إلّا بمخالفة ما جاء به الرّسولُ ﷺ؟ فإنّ نفس ما جاء به يضادُّ أهواءهم٥، وما هم عليه من الشُّبهات٦ التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم، والشّهوات التي هي غاية٧ مقاصدهم وإراداتهم؟

فكيف لا يكون المؤمن السّائر إلى الله على طريق المتابعة غريبًا بين

  1. (١) ر، ط: «بل آحادا».
  2. (٢) ت، ر: «تغربوا».
  3. (٣) ش: «ودخل فيه»، د: «فيها».
  4. (٤) ط زيادة: «أشدّ الغربة».
  5. (٥) ر، ط زيادة: «ولذّاتهم»، وت: «وآراءهم».
  6. (٦) ر، ط زيادة: «والبدع».
  7. (٧) ر، ط: «غايات».
74

هؤلاء الذين قد اتّبعوا أهواءهم، وأطاعوا شحّهم، وأُعْجِب كلٌّ منهم برأيه؟ كما قال النّبيُّ ﷺ: «مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ١ شُحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، ورأيتَ أمرًا لا يدًا٢ لك به، فعليك بخاصّة نفسِك، وإيّاك وعوامّهم، فإنّ وراءَكم أيّام الصَبْر الصّابرُ فيهم٣ كالقابض على الجمر».

ولهذا جعَلَ له٤ في هذا الوقت إذا تمسّك بدينه: أجرَ خمسين من الصّحابة.

ففي «سنن أبي داود» و«الترمذيِّ» من حديث أبي ثعلبة الخشنيِّ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بنفسك ودَعْ عنك العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر؛ الصّبر فيهنّ٥ مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهنّ أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم»٦.

  1. (١) ر، ط: «رأيتم».
  2. (٢) كذا النسخ، وفي ر، ط: «يد».
  3. (٣) ر، ط: «أيام الصبر .. فيهن»، ت: «فيها».
  4. (٤) ط زيادة: «للمسلم الصادق».
  5. (٥) د، ت: «فيه».
  6. (٦) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤)، وابن حبان (٣٨٥) من طريق عتبة بن أبي حكيم عن عمرو بن جارية اللخمي عن أبي أمية الشعباني عن أبي ثعلبة به. قال الترمذي: حسن غريب. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٠٢٥)، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد (٧٠٦٣)، وأبو داود (٤٣٤٢)، وابن ماجه (٣٩٥٧).
75

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي