مدارج السالكين

هؤلاء الذين قد اتّبعوا أهواءهم، وأطاعوا شحّهم، وأُعْجِب كلٌّ منهم برأيه؟ كما قال النّبيُّ ﷺ: «مُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ١ شُحًّا مطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، ورأيتَ أمرًا لا يدًا٢ لك به، فعليك بخاصّة نفسِك، وإيّاك وعوامّهم، فإنّ وراءَكم أيّام الصَبْر الصّابرُ فيهم٣ كالقابض على الجمر».

ولهذا جعَلَ له٤ في هذا الوقت إذا تمسّك بدينه: أجرَ خمسين من الصّحابة.

ففي «سنن أبي داود» و«الترمذيِّ» من حديث أبي ثعلبة الخشنيِّ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى متّبعًا، ودنيا مؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه، فعليك بنفسك ودَعْ عنك العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر؛ الصّبر فيهنّ٥ مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهنّ أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله، قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم»٦.

  1. (١) ر، ط: «رأيتم».
  2. (٢) كذا النسخ، وفي ر، ط: «يد».
  3. (٣) ر، ط: «أيام الصبر .. فيهن»، ت: «فيها».
  4. (٤) ط زيادة: «للمسلم الصادق».
  5. (٥) د، ت: «فيه».
  6. (٦) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤)، وابن حبان (٣٨٥) من طريق عتبة بن أبي حكيم عن عمرو بن جارية اللخمي عن أبي أمية الشعباني عن أبي ثعلبة به. قال الترمذي: حسن غريب. وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (١٠٢٥)، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد (٧٠٦٣)، وأبو داود (٤٣٤٢)، وابن ماجه (٣٩٥٧).
75

وهذا الأجر العظيم إنّما هو لغربته بين النّاس، والتّمسُّك بالسُّنّة بين ظُلَم١ أهوائهم وآرائهم.

فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرةً في دينه، وفقهًا٢ في سنّة رسوله، وفهمًا في كتابه، وأراه ما النّاس فيه من الأهواء والبدع والضّلالات، وتنكُّبهم عن الصِّراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصِّراط فليوطِّن نفسَه على قدح الجهّال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزْرائِهم به، وتنفير النّاس عنه وتحذيرهم منه، كما كان٣ الكفّار يفعلون مع متبوعه وإمامه، فأمّا إن دعاهم إلى ذلك، وقدَحَ فيما هم عليه= فهناك تقومُ قيامتُهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويَجْلِبون عليه بخيلِ كبيرِهم ورَجِلِه.

فهو غريبٌ في دينه لفسادِ أديانِهم، غريبٌ في تمسُّكه بالسُّنّة لتمسُّكهم بالبدع، غريبٌ في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريبٌ في صَلاته لسوء صلاتهم، غريبٌ في طريقه لفساد٤ طُرُقهم، غريبٌ في نِسْبَتِه لمخالفة نِسَبِهِم٥، غريبٌ

  1. (١) ط: «ظلمات».
  2. (٢) ش: «وفقه الله» وحوّط الناسخ على لفظ الجلالة، والمثبت من بقية النسخ.
  3. (٣) ط زيادة: «سلفهم من».
  4. (٤) ط زيادة: «لضلال وفساد ..».
  5. (٥) ت: «لفساد نسبهم»، ر: «نسبتهم».
76

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي