وهذا الأجر العظيم إنّما هو لغربته بين النّاس، والتّمسُّك بالسُّنّة بين ظُلَم١ أهوائهم وآرائهم.
فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرةً في دينه، وفقهًا٢ في سنّة رسوله، وفهمًا في كتابه، وأراه ما النّاس فيه من الأهواء والبدع والضّلالات، وتنكُّبهم عن الصِّراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصِّراط فليوطِّن نفسَه على قدح الجهّال وأهل البدع فيه، وطعنهم عليه، وإزْرائِهم به، وتنفير النّاس عنه وتحذيرهم منه، كما كان٣ الكفّار يفعلون مع متبوعه وإمامه، فأمّا إن دعاهم إلى ذلك، وقدَحَ فيما هم عليه= فهناك تقومُ قيامتُهم، ويبغون له الغوائل، وينصبون له الحبائل، ويَجْلِبون عليه بخيلِ كبيرِهم ورَجِلِه.
فهو غريبٌ في دينه لفسادِ أديانِهم، غريبٌ في تمسُّكه بالسُّنّة لتمسُّكهم بالبدع، غريبٌ في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريبٌ في صَلاته لسوء صلاتهم، غريبٌ في طريقه لفساد٤ طُرُقهم، غريبٌ في نِسْبَتِه لمخالفة نِسَبِهِم٥، غريبٌ
(١) ط: «ظلمات».
(٢) ش: «وفقه الله» وحوّط الناسخ على لفظ الجلالة، والمثبت من بقية النسخ.
(٣) ط زيادة: «سلفهم من».
(٤) ط زيادة: «لضلال وفساد ..».
(٥) ت: «لفساد نسبهم»، ر: «نسبتهم».
في معاشرته لهم، لأنّه يُعاشرهم على ما لا تهوى١ أنفسُهم.
وبالجملة: فهو غريبٌ في أمور دنياه وآخرته، لا يجد٢ مساعدًا ولا معينًا، فهو عالمٌ بين قوم جهّالٍ، صاحب سنّةٍ بين أهل بدعٍ، داعٍ إلى الله ورسوله بين دعاةٍ إلى الأهواء والبدع، آمرٌ بالمعروف ناهٍ عن المنكر بين قومٍ المعروف لديهم منكرٌ والمنكر معروفٌ.
فصل
النوع الثاني من الغربة٣: غربةٌ مذمومةٌ، وهي غربة أهل الباطل وأهل الفجور بين أهل الحقِّ، فهي غربةٌ بين حزب الله٤ وإن كثُرَ أهلُها، فهم غرباء على كثرة أصحابهم وأشياعهم، أهل وحشةٍ على كثرة مؤنسيهم، يُعرفون في أهل الأرض، ويَخْفَون على أهل السّماء.
فصل
النوع الثالث: غربةٌ مشتركةٌ لا تُحمَد ولا تُذَمُّ، وهي الغربة عن الوطن؛ فإنّ النّاس كلّهم في هذه الدّار٥ غرباء، فإنّها ليست لهم بدار مُقامٍ، ولا هي الدّار التي خُلقوا لها، وقد قال النّبيُّ ﷺ لعبد الله بن عمر: «كنْ في الدُّنيا