مدارج السالكين

كأنّكَ غريبٌ أو عابر سبيلٍ»١. وهكذا هو في نفس الأمر أمَرَ٢ أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حقّ المعرفة.

ولي من أبياتٍ في هذا المعنى٣:

وحيّ على جنّات عدنٍ فإنّهامنازلك الأولى وفيها المخيّم
ولكنّنا سبي العدوِّ فهل ترىنعود إلى أوطاننا ونسلّم
وأيُّ اغترابٍ فوق غربتنا التيلها أضحت الأعداءُ فينا تَحَكّم
وقد زعموا أنّ الغريبَ إذا نأىوشطّت به أوطانُه ليس ينعم
فمن أجل ذا لا ينعَمُ العبدُ ساعةًمن العمر إلّا بعدها٤ يتألّم

وكيف لا يكون العبد في هذه الدّار غريبًا، وهو على جناح سفرٍ، لا يحلُّ عن راحلته إلّا بين أهل القبور؟ فهو مسافرٌ في صورة قاعدٍ، وقد قيل٥:

وما هذه الأيّام إلّا مراحليحثُّ بها داعٍ إلى الموت قاصدُ
وأعجبُ مِن ذا٦ لو تأمّلتَ أنّهامنازلُ٧ تُطوَى والمسافرُ قاعدُ
  1. (١) أخرجه البخاري (٦٤١٦).
  2. (٢) ت، ر، ط: «لأنه أمر».
  3. (٣) وهذه الأبيات من القصيدة المعروفة بالميمية، نشرت ضمن مجموعة «رسائل أربح البضاعة ص ٦٣ - ٧٣»، وذكر المؤلف في «حادي الأرواح» (١/ ١٣ - ١٥) و«طريق الهجرتين» (١/ ١٠٨ - ١١٥) أبياتا كثيرةً منها.
  4. (٤) ر: «بعدما».
  5. (٥) «وقد قيل» من ر.
  6. (٦) ت، ر: «شيء».
  7. (٧) ت: «مراحل».
78

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (الاغتراب: أمرٌ يشار به إلى الانفراد عن الأكفاء).

يريد أنّ كلّ من انفرد بوصفٍ شريفٍ دون أبناء جنسه، فإنّه غريبٌ بينهم لعدم مشارِكِه أو قلّته.

قال٢: (وهو على ثلاث درجاتٍ؛ الدّرجة الأولى: الغربة عن الأوطان، وهذا الغريب موته شهادةٌ، ويُقاس له في قبره مِن مَدفِنه إلى وطنه، ويُجمَع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم).

لمّا كانت الغربة هي الانفراد، والانفراد إمّا بالجسم وإمّا بالقصد والحال وإمّا بهما= كان الغريبُ غريبَ جسمٍ، أو غريبَ قلبٍ وإرادةٍ وحالٍ، أو غريبٌ٣ بالاعتبارين.

قوله: (وهذا الغريب موته شهادةٌ) يشير به إلى الحديث الذي رُوي عن هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: «موت الغريب شهادةٌ»٤. ولكن هذا الحديث لا يثبت، وقد روي بطرقٍ لا يصحُّ

  1. (١) (ص ٨٧).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٨٨).
  3. (٣) ط: «غريبا»، والمثبت من النسخ مرفوع على القطع، أي: أو هو غريب.
  4. (٤) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٣/ ٣٠٠) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٠٩) ــ والآجري في «الغرباء» (٥١) من طريق أبي رجاء عبد الله بن الفضل الخراساني، عن هشام بن حسَّان به. وأبو رجاء ضعيف منكر الحديث.
    وله شاهد من حديث ابن عباس عند ابن ماجه (١٦١٣)، وأبي يعلى (٢٣٨١)، والطبراني (١١/ ٢٤٦)، والبيهقي في «الشعب» (٩٤٢٦)، وغيرهم. وإسناده واهٍ أيضًا، فيه الهُذيل بن الحكم، قال البخاري: منكر الحديث. انظر: «التاريخ الأوسط» للبخاري (٣/ ٦٠١) و«الضعفاء» للعقيلي (٦/ ٢٩٧) و«بيان الوهم والإيهام» (٢/ ٢٦٣) و«البدر المنير» (٥/ ٣٦٦ - ٣٦٩).
79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي