وقد قال النّبيُّ ﷺ: "لم يبق من النُّبوّة إلّا المبشِّرات". قيل: وما المبشِّرات يا رسول الله؟ قال: "الرُّؤيا الصّالحة يراها المؤمن أو تُرى له"١.
وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذِبْ. وقد قال النبيُّ ﷺ لأصحابه لمّا أُرُوا ليلةَ القدر في العشر الأواخر٢: "أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان منكم متحرِّيها فليتحرَّها في العشر الأواخر من رمضان"٣.
والرُّؤيا كالكشوف، منها رحمانيٌّ، ومنها نفسانيٌّ، ومنها شيطانيٌّ. وقال النّبيُّ ﷺ: "الرُّؤيا ثلاثةٌ: رؤيا من الله، ورؤيا تحزينٌ من الشّيطان، ورؤيا ممّا يحدِّث به الرّجلُ نفسَه في اليقظة فيراه في المنام"٤. والذي هو من أسباب
(١) انظر حديث أبي هريرة في "صحيح البخاري" (٦٩٩٠)، وحديث ابن عباس ﵄ في "صحيح مسلم" (٤٧٩).
(٢) فوقه في ع: "قال" مع علامة صح بخط الناسخ.
(٣) أخرجه البخاري (١١٥٨) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر ﵄. ولفظ مسلم: "في السبع الأواخر".
(٤) أخرجه البخاري (٧٠١٧) ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وقد سبقت الإحالة عليه قريبًا في ذكر الرؤيا عند اقتراب الزمان.
الهداية هو الرُّؤيا التي من الله خاصّةً.
ورؤيا الأنبياء ﵈ وحيٌ، فإنّها معصومةٌ من الشّيطان، وهذا باتِّفاق الأمّة. ولهذا أقدم الخليلُ ﵇ على ذبح إسماعيل بالرُّؤيا. وأمّا رؤيا غيرهم، فتُعْرَض على الوحي الصَّريح، فإن وافقته وإلّا لم يعمل بها.
فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقةٌ، أو تواطأت؟
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي. بل لا تكون إلّا مطابقةً له، منبِّهةً عليه، أو منبِّهةً على اندراج قضيّةٍ خاصّةٍ في حكمه، لم يعرف الرّائي اندراجها فيه، فيُنَبَّه بالرُّؤيا على ذلك. ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرَّ الصِّدقَ وأكلَ الحلال والمحافظةَ على الأمر والنّهي، ولينم على طهارةٍ كاملةٍ مستقبلَ القبلة، ويذكر الله حتّى تغلبه عيناه؛ فإنّ رؤياه لا تكاد تكذب البتّة.
وأصدَقُ الرُّؤيا: رؤيا الأسحار١، فإنّه وقت للنُّزولِ٢ الإلهيِّ وسكونِ
(١) أخرجه أحمد (١١٢٤٠، ١١٦٥٠) والدارمي (٢١٩٢) والترمذي (٢٢٧٤) وأبو يعلى (١٣٥٧) وابن حبان (٦٠٤١) والحاكم (٤/ ٣٩٢) وغيرهم من حديث دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁. قال أحمد: أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وقال النسائي: دراج منكر الحديث، وقال ابن عدي بعد ما أورد هذا الحديث وغيره: "وعامة هذه الأحاديث التي أمليتها مما لا يتابع دراج عليه". ينظر: "الكامل" (٤/ ٤٨٦ - ٤٩٣؛ نشرة السرساوي) و"الضعيفة" (١٧٣٢).
(٢) ش، ج، ع: "النزول"، وكذا كان في الأصل قبل الإصلاح.