وقوله: (ويُجمَع يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم) يشير إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد١: حدّثنا الهيثم٢ بن جميلٍ، حدّثنا محمّد بن مسلمٍ، حدّثنا عثمان بن عبد الله بن أوسٍ، عن سليمان بن هرمز، عن عبد الله بن عمرٍو٣: أحبُّ شيءٍ إلى الله الغرباء. قيل: وما الغرباء يا رسول الله٤؟ قال: «الفرَّارون بدينهم يُجْمَعون٥ إلى عيسى ابن مريم يوم القيامة».
فصل
قال٦: (الدّرجة الثّانية: غُربة الحال، وهذا من الغرباء الذين طوبى لهم، وهو رجلٌ صالحٌ في زمانٍ فاسدٍ بين قومٍ فاسدين، أو عالمٌ بين قومٍ جاهلين، أو صدِّيقٌ بين قومٍ منافقين).
يريد بالحال هاهنا: الوصف الذي قام به من الدِّين والتمسُّك بالسُّنّة، ولا يريد به الحال الاصطلاحيّ عند القوم، والمراد به: العالم بالحقِّ، العامل به، الدّاعي إليه.
وجعل الشيخُ الغرباءَ في هذه الدّرجة ثلاثة أنواعٍ: صاحبُ صلاحٍ ودينٍ
(١) تقدم تخريجه (ص ٦٩).
(٢) وقع في ش، د: «القاسم» تحريف، وقد تقدم على الصواب قبل صفحات.
(٣) زاد في ر، ط: «عن النبي ﷺ». ولا وجود لها في مصادر الحديث من هذا الطريق! وقد سبق التنبيه على هذه الزيادة (ص ٦٩).
(٤) «يا رسول الله» كذا في النسخ هنا، وإلا فقد سبق (ص ٦٩) بدونه، والحديث موقوف من هذا الطريق في مصادر التخريج.
(٥) ر: «يجتمعون».
(٦) «المنازل» (ص ٨٨).
بين قومٍ فاسدين، وصاحب علمٍ ومعرفةٍ بين قومٍ جهّالٍ، وصاحب صدقٍ وإخلاصٍ بين أهل كذبٍ ونفاقٍ، فإنّ صفات هؤلاء وأحوالهم تنافي صفات من هم بين أظهرهم، فمثل هؤلاء بين أولئك كمثل الطائر الغريب بين الطَّير١، والكلب الغريب بين الكلاب.
والصِّدِّيق هو الذي صدَق في قوله وفعله، وصدّق الحقَّ بقوله وعمله، فقد انجذبت قواه كلُّها للانقياد لله ورسوله، عكس المنافق الذي ظاهره خلاف باطنه وقوله خلاف عمله.
فصل
قال٢: (الدّرجة الثّالثة: غُربة الهمّة، وهي غربةُ طلب الحقِّ، وهي غربة العارف؛ لأنّ العارف في شاهده غريبٌ، ومصحوبه في شاهده غريبٌ، وموجوده فيما٣ يحمله علمٌ أو يظهره وجدٌ، أو يقوم به رسمٌ، أو تُطِيقُه إشارةٌ، أو يشمله اسم غريبٍ، فغربة العارف غربة الغربة؛ لأنّه غريب الدُّنيا والآخرة٤).
إنّما كانت هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها، لأنّ الغربة٥ الأولى غُربةٌ بالأبدان. والثّانية: غربةٌ بالأفعال والأحوال. وهذه الثّالثة: غربةٌ بالهِمَم. فإنّ
(١) ر: «الطير الغريب بين الطيور».
(٢) «المنازل» (ص ٨٨).
(٣) ر: «لا».
(٤) في المنازل: «وغريب الآخرة» وهو كذلك فيما سينقله المؤلف (ص ٨٤).