مدارج السالكين

همّة العارف حائمةٌ حول معروفه، فهو غريبٌ في أبناء الآخرة، فضلًا عن أبناء الدُّنيا، كما أنّ طالب الآخرة غريبٌ في أبناء الدُّنيا.

قوله: (لأنّ العارف في شاهده غريبٌ) شاهد العارف: هو الذي يشهد عنده وله بصحّة١ ما وجَدَ وأنّه كما وجَدَ، وبثبوت ما عَرَف وأنّه كما عرَف.

وهذا الشّاهد أمرٌ يجِدُه مِن قلبه، وهو قُربه من الله، وأُنْسُه به، وشدّة شوقه إلى لقائه وفرحه به، فهذا شاهده في سرِّه وقلبِه.

وله شاهدٌ في حالِه وعملِه، يُصدِّق هذا الشّاهد الذي في قلبه.

وله شاهدٌ في قلوب الصّادقين، يصدِّق هذين الشّاهدين، فإنّ قلوب الصّادقين لا تشهد بالزُّور البتّة، فإذا خَفِي عليك شأنُك وحالُك، فسل عنك قلوبَ الصّادقين تشهد٢؛ فإنّها تخبرك عن حالك.

قوله: (ومصحوبه في شاهده غريبٌ) مصحوبه في شاهده، هو الذي يصحبه فيه من العلم والعمل والحال، وهو غريبٌ بالنِّسبة إلى غيره ممّن لم يُطِق طعمَ هذا الشّأن، بل هو في وادٍ وأهله في وادٍ.

قوله: (وموجوده فيما يحمله علمٌ .. إلى آخره) يريد بموجوده ما يجده في شهوده وجدانًا ذاتيًّا حقيقيًّا في هذه المراتب المذكورة؛ لأنّ الشُّهود يشملها كلُّها حالة٣ المشاهدة.

  1. (١) ش، د: «بصحبة».
  2. (٢) ليست في ت، ر.
  3. (٣) د: «حال».
83

فأمّا ما يحمله العلم: فهو أحكام العلم التي متى انسلخَ منها انسلخَ من الإيمان.

وموجودُه في هذه المشاهد في هذه١ الحال، هو إصابته وجهَ الصّواب الذي أراده الله ورسولُه بشرعه وأمره، وهذه الإصابة غريبةٌ جدًّا عند أهل العلم، بل هي متروكةٌ عند كثيرٍ منهم، فليس الحلال إلّا ما حلّله مَن قلّدوه، والحرام ما حرّمه، والدِّين ما أفتى به، يُقدّم على النُّصوص، ويترك له أقوال٢ الصّحابة وسائر أهل العلم.

قوله: (أو يظهره وجدٌ) الوجد: يُظهِر أمورًا ينكرها من لم يكن له ذلك الوجد، ويعرفها مَن كان له، وهذا الوجد٣ إن شهد له العلمُ بالقبول وزكّاه، فهو وجدٌ صحيحٌ، وإلّا فهو وجدٌ٤ فاسدٌ أو فيه انحرافٌ.

والمقصود: أنّ ما يظهره وجدُ هذا العارف بالله وأسمائه وصفاته وأحكامِه غريبٌ على غيره، بحسب همّته ومعرفته وطلبه.

قوله: (أو يقوم به رسمٌ) الرّسم: هو الصُّورة الخلْقِيّة وصفاتُها وأفعالها عندهم، والّذي يقوم به هذا الرّسم هو الذي يقيمه مِن تعلّق اسم القيُّوم به، فإنّ القيُّوم هو القائم بنفسه الذي قيام كلِّ شيءٍ به؛ أي: هو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره بدون إقامته له، وقيامه هو بنفسه لا بغيره.

  1. (١) د: «وفي هذا»، «المشاهدة في هذا» ليست في ر، وفي ت: «المشاهدة».
  2. (٢) «له» ليست في د، وفي ط زيادة «الرسول».
  3. (٣) ليست في د، ت.
  4. (٤) د، ت: «وإلا فوجد».
84

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي