فأمّا ما يحمله العلم: فهو أحكام العلم التي متى انسلخَ منها انسلخَ من الإيمان.
وموجودُه في هذه المشاهد في هذه١ الحال، هو إصابته وجهَ الصّواب الذي أراده الله ورسولُه بشرعه وأمره، وهذه الإصابة غريبةٌ جدًّا عند أهل العلم، بل هي متروكةٌ عند كثيرٍ منهم، فليس الحلال إلّا ما حلّله مَن قلّدوه، والحرام ما حرّمه، والدِّين ما أفتى به، يُقدّم على النُّصوص، ويترك له أقوال٢ الصّحابة وسائر أهل العلم.
قوله: (أو يظهره وجدٌ) الوجد: يُظهِر أمورًا ينكرها من لم يكن له ذلك الوجد، ويعرفها مَن كان له، وهذا الوجد٣ إن شهد له العلمُ بالقبول وزكّاه، فهو وجدٌ صحيحٌ، وإلّا فهو وجدٌ٤ فاسدٌ أو فيه انحرافٌ.
والمقصود: أنّ ما يظهره وجدُ هذا العارف بالله وأسمائه وصفاته وأحكامِه غريبٌ على غيره، بحسب همّته ومعرفته وطلبه.
قوله: (أو يقوم به رسمٌ) الرّسم: هو الصُّورة الخلْقِيّة وصفاتُها وأفعالها عندهم، والّذي يقوم به هذا الرّسم هو الذي يقيمه مِن تعلّق اسم القيُّوم به، فإنّ القيُّوم هو القائم بنفسه الذي قيام كلِّ شيءٍ به؛ أي: هو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره بدون إقامته له، وقيامه هو بنفسه لا بغيره.
(١) د: «وفي هذا»، «المشاهدة في هذا» ليست في ر، وفي ت: «المشاهدة».
(٢) «له» ليست في د، وفي ط زيادة «الرسول».
(٣) ليست في د، ت.
(٤) د، ت: «وإلا فوجد».
ويحتمل أن يريد به معنًى آخر، وهو: ما يقوى رسْمُه على القيام به، فإنّ وراء ذلك ما لا يقوى رسمُ العبد على إظهاره ولا القيام به. وهذا أظهر المعنيين من كلامه، وسياقُه إنّما يدلُّ عليه.
ولهذا قال بعد ذلك: (أو يطيقُه إشارةٌ)؛ أي: يقدر١ على إفهامه وإظهاره هو٢ إشارةٌ، فتنهض الإشارة بكشفه.
ثمّ قال: (أو يشمله اسمٌ٣)، يعني: أو تناله عبارةٌ.
فذكر الشّيخُ خمسَ مراتب؛ الأولى: مرتبة حمل٤ العلم له. الثّانية: مرتبة إظهار الوجد له. الثّالثة: مرتبة قيام الرّسم به. الرّابعة: مرتبة إطاقة الإشارة له. الخامسة: مرتبة شمول العبارة له.
ومقصوده: أنّ موجود العارف أخفى وأدقُّ من موجود غيره، فهو غريبٌ بالنِّسبة إلى موجود سواه، وأخبر أنّ موجودَه في هذه المراتب غريبٌ، فكيف بموجودِه الذي لا يحمله علمٌ، ولا يُظهره وَجدٌ، ولا يقوم به رسمٌ، ولا تُطيقه إشارةٌ، ولا تشمله عبارةٌ؟ فهذا أشدُّ غربةً.
قوله: (فغربة العارف: غربة الغربة) الغربة: أن يكون الإنسان من٥ أبناء جنسه غريبًا، مع أنّ له نسبة بهم٦.