ورؤيا الأنبياء ﵈ وحيٌ، فإنّها معصومةٌ من الشّيطان، وهذا باتِّفاق الأمّة. ولهذا أقدم الخليلُ ﵇ على ذبح إسماعيل بالرُّؤيا. وأمّا رؤيا غيرهم، فتُعْرَض على الوحي الصَّريح، فإن وافقته وإلّا لم يعمل بها.
فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقةٌ، أو تواطأت؟
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي. بل لا تكون إلّا مطابقةً له، منبِّهةً عليه، أو منبِّهةً على اندراج قضيّةٍ خاصّةٍ في حكمه، لم يعرف الرّائي اندراجها فيه، فيُنَبَّه بالرُّؤيا على ذلك. ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرَّ الصِّدقَ وأكلَ الحلال والمحافظةَ على الأمر والنّهي، ولينم على طهارةٍ كاملةٍ مستقبلَ القبلة، ويذكر الله حتّى تغلبه عيناه؛ فإنّ رؤياه لا تكاد تكذب البتّة.
وأصدَقُ الرُّؤيا: رؤيا الأسحار١، فإنّه وقت للنُّزولِ٢ الإلهيِّ وسكونِ
(١) أخرجه أحمد (١١٢٤٠، ١١٦٥٠) والدارمي (٢١٩٢) والترمذي (٢٢٧٤) وأبو يعلى (١٣٥٧) وابن حبان (٦٠٤١) والحاكم (٤/ ٣٩٢) وغيرهم من حديث دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁. قال أحمد: أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وقال النسائي: دراج منكر الحديث، وقال ابن عدي بعد ما أورد هذا الحديث وغيره: "وعامة هذه الأحاديث التي أمليتها مما لا يتابع دراج عليه". ينظر: "الكامل" (٤/ ٤٨٦ - ٤٩٣؛ نشرة السرساوي) و"الضعيفة" (١٧٣٢).
(٢) ش، ج، ع: "النزول"، وكذا كان في الأصل قبل الإصلاح.
الشّياطين. وعكسه رؤيا العَتَمة عند انتشار الشّياطين والأرواح الشّيطانيّة.
وقال عبادة بن الصّامت ﵁: رؤيا المؤمن كلامٌ يكلِّم به الرّبُّ عبدَه في المنام١.
وللرُّؤيا ملكٌ موكَّلٌ بها، يُريها العبد في أمثالٍ تناسبه وتشاكله، فيضربها لكلِّ أحدٍ بحسبه. وقال مالكٌ ﵁: "الرُّؤيا من الوحي"٢، وزجَر عن تفسيرها بلا علمٍ، وقال: أيُتلاعب بوحي الله تعالى؟٣.
ولذكر الرُّؤيا وأحكامها وتفاصيلها وطرق تأويلها مظانُّ مخصوصةٌ بها، يُخرجنا ذكرُها عن المقصود. والله أعلم.
فصل
في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين: شفاء القلوب وشفاء الأبدان
فأمّا اشتمالها على شفاء القلوب، فإنّها اشتملت عليه أتمَّ اشتمالٍ، فإنّ مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد. ويترتّب عليهما داءان قاتلان، وهما الضّلال والغضب. فالضّلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد؛ وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها.
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) في هامش ع: "وحيٌ" مع علامة صح.
(٣) حكاه ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٢٨٨) ولفظه: "قيل لمالك ﵀: أيعبُر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال: أبالنبوة يُلعب؟ ... ثم قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب بالنبوة".