مدارج السالكين

تفنى عند الشُّهود، وليس المراد بفنائها عدمُها من الوجود العينيِّ، بل عدمها من الوجود الذِّهنيِّ العلميِّ، هذا مرادهم بقولهم: فنِي من لم يكن، وبقِيَ من لم يزل١.

وقد يريدون به معنًى آخر، وهو: اضمحلال الوجود المحدَث الحاصل بين عدمين، وتلاشيه في الوجود الذي لم يزل ولا يزال.

وللملحد هاهنا مجالٌ يجول فيه٢، ويقول: إنّ الوجود المحدث لم يكن له حقيقةٌ، وإنّ الوجود القديم الدّائم وحده هو الثّابت، ولا وجود لغيره، لا في ذهنٍ ولا في خارجٍ، وإنّما هو وجودٌ فائضٌ على الدّوام على ماهيّاتٍ معدومةٍ، فتكتسي بعين وجوده بحسب استعداداتها.

والمقصود شرح كلام الشّيخ. والمراد برعونة الرّسم هاهنا: بقيّةٌ تبقى من صاحب الشُّهود، لا يدركها لضعفها وقلّتها، واشتغالِه بنور الكشف عن ظلمتها، فهو لا يُحِسُّ بها.

فصل

قال٣: (الدّرجة الثّالثة: استغراق الشّواهد في الجمع، وهذا رجلٌ شمِلَتْه

  1. (١) انظر نقد هذا الكلام في «منهاج السنة» (٥/ ٣٧١ وما بعدها)، و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٤٢).
  2. (٢) ليس المراد بـ «الملحد» هنا التلمساني كما قد يتبادر من اللفظ، فإن هذا الكلام لم يرد في شرحه، بل الذي فيه (ص ٤٩٧) ما نقله المؤلف في الفقرة الآتية من شرح مراد صاحب «المنازل» برعونة الرسم.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٨٩).
91

أنوار الأوّليّة، ففتح عينَه في مطالعة الأزليّة، فتخلَّصَ من الهِمَم الدَّنيّة).

إنّما كان هذا الاستغراق عنده أكملَ ممّا قبله؛ لأنّ الأوّل استغراقٌ كاشفٌ في كشفٍ، وهو متضمِّنٌ لتفرقةٍ، وهذا استغراقٌ عن شهود كشفه في الجمع١، فتمكَّنَ هذا في حال جمْعِ همَّته مع الحقِّ، حتّى غاب عن إدراك شهوده وذكْرِ رسومه، لِما توالى عليه من الأنوار التي خصَّه الحقُّ بها في الأزل، وهي أنوار كشف اسمه الأوّل، ففتح عينَ بصيرته في مطالعة الاختصاصات الأزليّة، فتخلَّص بذلك من الهمم الدَّنيّة المنقسمة بين تغييرِ مقسومٍ، أو تقريبِ مضمونٍ، أو تعجيلِ مؤخَّرٍ، أو تأخيرِ سابقٍ، أو نحو ذلك.

وقد يراد بالهمم الدّنيّة تعلُّقها بما سوى الحقِّ سبحانه وما كان له، وعلى هذا فاستغرقت شواهده في جمع الحكم وشموله.

وقد يُراد به معنًى آخر، وهو استغراق شواهد الأسماء والصِّفات في الذّات الجامعة لها، فإنّ الذّات جامعةٌ لأسمائها وصفاتها، فإذا استغرق العبد في حضرة الجمع غابت الشّواهد في تلك الحضرة.

وأكملُ من ذلك: أن يشهد كثرةً في وحدةٍ، ووحدةً في كثرةٍ، بمعنى: أنه يشهد كثرة الأسماء والصِّفات في الذّات الواحدة، ووحدة الذّات مع كثرة أسمائها وصفاتها.

وقوله: (ففتح عينه في مطالعة الأزليّة)، أي: نظر بالله لا بنفسه، واستمدّ من فضله وتوفيقه لا من معرفته وتحقيقه، فشاهدَ سبْقَ الله سبحانه لكلِّ شيءٍ

  1. (١) د: «حال الجمع».
92

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي