مدارج السالكين

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (باب الغَيبة. قال الله ﷿: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]).

وجه استدلاله بإشارة الآية أنّ يعقوب ﷺ لمّا ابتُلي قلبه بحبِّ يوسف ﵊ وذِكْرِه أعرضَ عن ذكر أخيه، مع قرب عهده بمصيبة فراقه، فلم يذكره مع ذلك ولم يتأسّف عليه غيبةً عنه بمحبّة يوسف واستيلائه على قلبه. ولو استدلّ بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] لكان دليلًا أيضًا، فإنّ مشاهدته في تلك الحال غيَّبَ عنهنَّ السّكاكين وما تُقطَع بهنّ، حتّى قطَّعن أيديهنّ ولا يشعرن، وذلك من قوّة الغَيبة.

قال الشيخ٢: (الغَيبة٣ التي يُشار إليها في هذا الباب على ثلاث درجاتٍ؛ الأولى: غَيبة المريد في تخلُّص القصد عن أيدي العلائق، ودَرَكِ العوائق، لالتماسِ الحقائق).

يريد غَيبة المريد عن بلده ووطنه وعاداته، في محلِّ تخليص القصد وتصحيحه، ليقطع بذلك العلائق، وهي ما يتعلّق بقلبه وقالبه وحسِّه من المألوفات، ويسبق العوائقَ حتّى لا تَلحقَه ولا تُدرِكه.

وقوله: (لالتماس الحقائق) متعلِّقٌ بقوله: (غيبة المريد)، أي: هذه

  1. (١) (ص ٨٩).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٨٩).
  3. (٣) «قال الشيخ: الغيبة» ساقط من ش، د.
94

الغيبة لالتماس الحقائق، فإنّ العوائق والعلائق تحول بينه وبين طلبها وحصولها لمضادّتها لها.

والحقائق جمع حقيقةٍ، ويراد بها الحقُّ تعالى وما نُسِب إليه، فهو الحقُّ، وقوله الحقُّ، ووعده الحقُّ، ولقاؤه حقٌّ، ورسوله حقٌّ، وعبوديّته وحده حقٌّ، وعبوديّة ما سواه باطل، فكلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلٌ.

والمقصود: أنّ المريد إذا لم يتخلّص قصدُه في مطلوبه عمّا يعوقه من الشّواغل أو يدركه من المعوِّقات؛ لم يبلغ إلى مقصوده، ولم يصل إليه، وإن وصل إليه فبعد جهدٍ شديدٍ ومشقّةٍ، بسبب تلك الشّواغل، ولم يصل القوم إلى مطلبهم إلّا بقطع العلائق ورفْضِ الشّواغل.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: غَيبة السّالك عن رسوم العلم، وعللِ السّعي، ورُخَصِ الفتور).

يريد: أنّه ينتقل عن أحكام العلم إلى أحكام الحال، وهذا كلامٌ فيه إجمالٌ، فالملحد يفهم منه: أنّه يفارق أحكام العلم، ويقف مع أحكام الحال٢، وهذا زندقةٌ وإلحادٌ. والموحِّد يفهم منه: أنّه ينتقل من أحكام العلم وحده إلى أحكام الحال المصاحب للعلم، فإنّ العلم الخالي عن الحال ضعفٌ في الطّريق، والحال المجرّد عن العلم ضلالٌ عن الطّريق، ومَن

  1. (١) «المنازل» (ص ٩٠).
  2. (٢) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٥٠٠)، ولكنه مع ذلك يقول: «إن الحال للسالك معراج كما أن العلم سراج، والمعراج هو السلَّم»!
95

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي