مدارج السالكين

والدّرجات في عين١ الجمع).

إنّما كانت هذه الدّرجة عنده أعلى على طريقته في كون الفناء غاية الطّالب. وهذه الدّرجة هي غيبةٌ عن خيراتٍ ومقاماتٍ بما هو أكمل منها وأشرف عنده، وهو حضرة الجمع.

ومعنى غيبته عن عيون الأحوال: أن لا يرى الأحوالَ ولا تراه، فلذلك استعار لها عيونًا؛ لأنّ الأحوال تقتضي واجدًا وموجودًا ووجدانًا، وهذا ينافي الفناء في حضرة الجمع، فإنّ الجمع يمحو الرُّسوم. وقد عرفتَ مرارًا أنّ هذا ليس بكمالٍ، ولا هو مطلوبٌ لنفسه، وغيره أكمل منه.

وأمّا غيبته عن الشّواهد فقد يريد بها شواهدَ المعرفة وأدلّتها، فيغيب بمعروفه عن الشّواهد الدّالّة عليه في الخارج وفي نفسه.

وقد يريد بالشّواهد الأسماء والصِّفات، والغيبة عنها بشهود الذّات، ولكنّ هذا ليس بكمالٍ، ولا هو أعلى من شهود الأسماء والصِّفات، بل هذا الشُّهود هو شهود المعطِّلة المنكِرة لحقائق الأسماء والصِّفات، فإنّهم ينتهون في فنائهم إلى شهود ذاتٍ مجرّدةٍ.

ومن هاهنا دخل الملاحدة القائلون بوحدة الوجود، وجعلوا شهود نفس الوجود المجرّد عن التقيُّدات وعن سائر الأسماء والصِّفات هو شهود الحقيقة. وشيخ الإسلام بل وأهل الإسلام بُرَأَئُ من هؤلاء وشهودهم.

ومراد أهل الاستقامة بذلك أنه يشهد الذّات الجامعة لجميع معاني الأسماء الحسنى والصِّفات العُلا، فيغيِّبه شهوده لهذه الذّات المقدّسة عن

  1. (١) في «المنازل»: «حصن». والمثبت موافق لما في «شرح التلمساني» (ص ٥٠٠).
97

شهود صفةٍ أو اسمٍ.

فالشّواهد هي الأفعال الدّالّة على الصِّفات المستلزمة للذّات، وشواهد المعرفة هي الأدلّة التي حصلت عنها المعرفة، فإذا طواها الشّاهد من وجوده، وشهد أنّه ما عرف الله إلّا به، ولا دلّ عليه إلّا هو= غابت شواهده في مشهوده، كما تغيب معارفُه في معروفه.

وبكلِّ حالٍ فما عُرِف الله إلّا بالله، ولا دَلَّ على الله إلّا الله، ولا أوصل إلى الله إلّا الله، فهو الدّالُّ على نفسه بما نصبَه من الأدلّة، والذّاكر لنفسه على لسان عبده، كما قال النّبيُّ ﷺ: «إنّ الله قال على لسان نبيِّه: سمع الله لمن حمده»١. وهو المحبُّ لنفسه بنفسه، وبما خلق من عبيده الذين يحبُّونه، والشّاكر لنفسه بنفسه، وبما أجراه على ألسنة عبيده وقلوبهم وجوارحهم من ذكره، فمنه السّبب وهو الغاية، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].

وللملحد هاهنا مجالٌ، حيث يظنُّ أنّ الذاكر والمذكور والذِّكر، والعارف والمعروف والمعرفة، والمحبّ والمحبوب والمحبّة= من عينٍ واحدةٍ، لا بل ذلك هو العين الواحدة، وأنّ الذي عرف الله وأحبّه هو الله نفسه وإن تعدّدت مظاهره، فالظّاهر فيها واحدٌ، ظهر بوجوده العينيِّ فيها، فوجودها عينُ وجوده، ووجوده فاضَ عليها. وهذا أكفر من كلِّ كفرٍ، وأعظم من كلِّ إلحادٍ.

والموحِّدون يقولون: إنّما أفاضَ عليها إيجادَه لا وجوده، وظهر فيها

  1. (١) أخرجه مسلم (٤٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
98

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي