مدارج السالكين

فعلُه بل أثرُ فعله، لا ذاته وصفاته، فقامت به فقرًا إليه واحتياجًا لا وجودًا وذاتًا، وأقامها بمشيئته وربوبيّته لا بظهوره فيها.

ولقد لحظ ملاحدة الاتِّحاديّة أمرًا اشتبه عليهم فيه وحدةُ الموجِد بوحدة الوجود، وتوحيدُ الذّات والصِّفات والأفعال بتوحيد الوجود، وفيضانُ جوده بفيضان وجوده، فوحّدوا١ الوجود وزعموا أنّه هو المعبود، فصاروا عبيدَ الوجود المطلق الذي لا وجودَ له في غير الأذهان، وعبيدَ الموجودات الخارجة في الأعيان، فإنّ وجودها عندهم هو المسمّى بالله. تعالى الله عن هذا الإلحاد الذي ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]. وسبحانَ من هو فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

أين حقيقة المخلوق من الماء المَهِين من ذات ربِّ العالمين؟ أين المكوَّن من ترابٍ من ربِّ الأرباب؟ أين الفقير بالذّات إلى الغنيِّ بالذّات؟ أين وجود من يضمحلُّ وجوده ويفوت إلى حقيقة وجود الحيِّ الذي لا يموت؟ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ٢٢ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٢٣ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤].

  1. (١) ش، د: «فوجدوا».
99

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (باب التّمكُّن. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]).

وجه استدلاله بالآية في غاية الظُّهور، وهو أنّ المتمكِّن لا يبالي بكثرة المُشْغِلات، ولا بمخالطة أصحاب الغفلات، ولا بمعاشرة أهل البطالات، بل قد تمكَّنَ بصبره ويقينه عن استفزازهم إيّاه واستخفافِهم له. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠]. فمن وَفَّى الصّبرَ حقَّه، وتيقّن أنّ وعد الله حقٌّ، لم يستفزَّه المبطلون، ولم يستخفَّه الذين لا يوقنون. ومتى ضعُفَ صبره أو يقينه أو كلاهما استفزَّه هؤلاء واستخفّه هؤلاء، فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوّة صبره ويقينه، فكلَّما ضعُفَ ذلك منه قوي جذْبُهم له، وكلّما قوي صبره ويقينه قوِيَ انجذابُه منهم وجذْبُه لهم.

فصل

قال الشيخ٢: (التّمكُّن فوق الطُّمأنينة، وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار).

التّمكُّن هو القدرة على التّصرُّف في الفعل والتّرك، وتُسمَّى مكانةً أيضًا، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ﴾ [الزمر: ٣٩].

  1. (١) (ص ٩٠).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٩٠).
100

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي