مدارج السالكين

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (باب التّمكُّن. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]).

وجه استدلاله بالآية في غاية الظُّهور، وهو أنّ المتمكِّن لا يبالي بكثرة المُشْغِلات، ولا بمخالطة أصحاب الغفلات، ولا بمعاشرة أهل البطالات، بل قد تمكَّنَ بصبره ويقينه عن استفزازهم إيّاه واستخفافِهم له. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠]. فمن وَفَّى الصّبرَ حقَّه، وتيقّن أنّ وعد الله حقٌّ، لم يستفزَّه المبطلون، ولم يستخفَّه الذين لا يوقنون. ومتى ضعُفَ صبره أو يقينه أو كلاهما استفزَّه هؤلاء واستخفّه هؤلاء، فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوّة صبره ويقينه، فكلَّما ضعُفَ ذلك منه قوي جذْبُهم له، وكلّما قوي صبره ويقينه قوِيَ انجذابُه منهم وجذْبُه لهم.

فصل

قال الشيخ٢: (التّمكُّن فوق الطُّمأنينة، وهو الإشارة إلى غاية الاستقرار).

التّمكُّن هو القدرة على التّصرُّف في الفعل والتّرك، وتُسمَّى مكانةً أيضًا، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ﴾ [الزمر: ٣٩].

  1. (١) (ص ٩٠).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٩٠).
100

وأكثر ما يطلق في اصطلاح القوم: على من انتقل إلى مقام البقاء بعد الفناء، وهو الوصول عندهم، وحقيقته: ظفَرُ العبد بنفسه، وهو أن تَتوارى عنه أحكام البشريّة بطلوع شمس الحقيقة واستيلاءِ سلطانها، فإذا دامت له هذه الحال أو غلبتْ عليه فهو صاحب تمكينٍ.

قال صاحب «المنازل»: (التّمكُّن فوق الطُّمأنينة، وهو إشارة إلى غاية الاستقرار). إنّما كان فوق الطُّمأنينة لأنّها تكون مع نوعٍ من المنازعة، فيطمئنُّ القلب إلى ما يسكنه، وقد يتمكّن فيه وقد لا يتمكّن، ولذلك كان التّمكُّن هو غاية الاستقرار، وهو تفعُّلٌ من المكان، فكأنّه قد صار مقامه مكانًا لقلبه قد تبوّأه منزلًا مستقرًّا.

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: تمكُّن المريد؛ وهو أن يجتمع له صحّةُ قصدٍ تُسيِّره، ولمعُ شهودٍ يحمله، وسعةُ طريقٍ تُروِّحه).

المريد في اصطلاحهم: هو الذي قد شرع في السّير إلى الله، وهو فوق العابد ودون الواصل، وهذا اصطلاحٌ بحسب حال السّالكين، وإلّا فالعابد مريدٌ، والسّالك مريدٌ، والواصل مريدٌ، فالإرادة لا تُفارِقُ العبدَ ما دام تحت حكم العبوديّة.

وقد ذكر الشّيخ للتّمكُّن في هذه الدّرجة ثلاثة أمورٍ: صحّة قصدٍ، وصحّة علمٍ، وسعة طريقٍ، فبصحّة القصد يصحُّ سيره، وبصحّة العلم ينكشف له الطّريق، وبسعة الطّريق يَهُون عليه السّير. وكلُّ طالب أمرٍ من الأمور فلا بدّ له من تعيُّن مطلوبِه وهو المقصود، ومعرفةِ الطّريق المُوصِل إليه، والأخذِ في

  1. (١) «المنازل» (ص ٩٠).
101

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي