مدارج السالكين

السُّلوك، فمتى فاته واحدٌ من هذه الثّلاث١ لم يصحّ طلبُه ولا سَيْرُه، فالأمر دائرٌ بين مطلوبٍ يتعيّن إيثاره على غيره، وطلبٍ يقوم بقلبِ من يقصده، وطريقٍ يُوصِل إليه.

فإذا تحقَّقَ العبدُ طلبَ ربِّه وحده تعيَّنَ مطلوبه، وإذا بذل جهده في طلبِ ربّه صحّ له طلبه، وإذا تحقّق باتِّباع أوامره واجتناب نواهيه صحّ له طريقه، وصحّة القصد والطّريق موقوفةٌ على صحّة المطلوب وتعيُّنه. فحكم القصد يُتلقَّى من حكم المقصود، فمتى كان المقصود أهلًا للإيثار كان القصد المتعلِّق به كذلك، فالقصد والطّريق تابعان للمقصود.

وتمام العبوديّة: أن يوافق الرّسولَ في مقصوده وقصده وطريقه، فمقصوده: الله وحده، وقصدُه: تنفيذ أوامره في نفسه وفي خلقه، وطريقُه: اتِّباع ما أُوحي إليه، فصَحِبَه أصحابُه على ذلك حتّى لَحِقوا به، ثمّ جاء التّابعون لهم بإحسانٍ، فمَضوا على آثارهم.

ثمّ تفرّقت الطُّرق بالنّاس، فخيارُ النّاس مَن وافقه في المقصود والطّريق، وأبعدُهم من الله ورسوله من خالفه في المقصود والطّريق؛ وهم أهل الشِّرك بالمعبود، والبدعة في العبادة. ومنهم من وافقه في المقصود وخالفه في الطّريق، ومنهم من وافقه في الطّريق وخالفه في المقصود.

فمن كان الله مرادَه والدارُ الآخرة فقد وافقه في المقصود، فإنْ عبَدَ اللهَ بما أمر به على لسان رسوله فقد وافقه، وإن عبدَه بغير ذلك فقد خالفه في الطّريق.

  1. (١) ر، ت: «الثلاثة».
102

ومن كان مقصوده من أهل العلم والعبادة والزُّهد: الدُّنيا والرِّياسة فقد خالفه في المقصود وإن تقيَّد بالأمر. فإن لم يتقيّد به فقد خالف في المقصود والطّريق.

إذا عُرِف هذا، فقول الشّيخ: (تمكُّن المريد أن يجتمع له صحّةُ قصدٍ تُسيِّره) إشارةٌ إلى صحّة القصد.

وقوله: (ولمعُ شهودٍ يَحمِلُه) إشارةٌ إلى معرفة المقصود، وقوّة اليقين به، فيحصل لقلبه كشفٌ يحمله على سلوكه، فإنّ السّالك إذا كُشِفَ له عن مقصوده حتّى كأنّه يُعايِنه جَدَّ في طلبه، وذهبَ عنه رُخَصُ الفتور.

وقوله: (وسعةُ طريقٍ تُروِّحه) إشارةٌ إلى صحّة طريقه، وذلك بأمرين: بسعتها حتّى لا تضِيقَ عليه، فيعجِز عن سلوكها، وباستقامتها حتّى لا يزيغَ عنها إلى غيرها، فإنّ طريق الحقِّ واسعةٌ مستقيمةٌ، وطرق الباطل ضيِّقةٌ معوجّةٌ. وهذا يدلُّ على رسوخ الشّيخ في العلم، ووقوفه مع السُّنّة، وفقهه في هذا الشّأن.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: تمكُّن السّالك، وهو أن يجتمع له صحّةُ انقطاعٍ، وبرقُ كشفٍ، وصفاءُ حالٍ).

هذه الدّرجة أتمُّ ممّا قبلها، فإنّ تلك تمكُّنٌ في تصحيح قصد الأعمال، وهذه تمكُّنٌ في حال، والتّمكُّن في الحال أبلغ من التّمكُّن في القصد.

  1. (١) «المنازل» (ص ٩٠).
103

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي