مدارج السالكين

ومن كان مقصوده من أهل العلم والعبادة والزُّهد: الدُّنيا والرِّياسة فقد خالفه في المقصود وإن تقيَّد بالأمر. فإن لم يتقيّد به فقد خالف في المقصود والطّريق.

إذا عُرِف هذا، فقول الشّيخ: (تمكُّن المريد أن يجتمع له صحّةُ قصدٍ تُسيِّره) إشارةٌ إلى صحّة القصد.

وقوله: (ولمعُ شهودٍ يَحمِلُه) إشارةٌ إلى معرفة المقصود، وقوّة اليقين به، فيحصل لقلبه كشفٌ يحمله على سلوكه، فإنّ السّالك إذا كُشِفَ له عن مقصوده حتّى كأنّه يُعايِنه جَدَّ في طلبه، وذهبَ عنه رُخَصُ الفتور.

وقوله: (وسعةُ طريقٍ تُروِّحه) إشارةٌ إلى صحّة طريقه، وذلك بأمرين: بسعتها حتّى لا تضِيقَ عليه، فيعجِز عن سلوكها، وباستقامتها حتّى لا يزيغَ عنها إلى غيرها، فإنّ طريق الحقِّ واسعةٌ مستقيمةٌ، وطرق الباطل ضيِّقةٌ معوجّةٌ. وهذا يدلُّ على رسوخ الشّيخ في العلم، ووقوفه مع السُّنّة، وفقهه في هذا الشّأن.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّانية: تمكُّن السّالك، وهو أن يجتمع له صحّةُ انقطاعٍ، وبرقُ كشفٍ، وصفاءُ حالٍ).

هذه الدّرجة أتمُّ ممّا قبلها، فإنّ تلك تمكُّنٌ في تصحيح قصد الأعمال، وهذه تمكُّنٌ في حال، والتّمكُّن في الحال أبلغ من التّمكُّن في القصد.

  1. (١) «المنازل» (ص ٩٠).
103

ويريد بصحّة الانقطاع: انقطاع قلبه عن الأغيار، وتعلُّقه بالشّواغل الموجبة للأكدار، ومع ذلك فقد حصل لقلبه برقُ كشفٍ يجعل الإيمان له كالعيان، ومع ذلك فحاله مع الله صافٍ من معارضات السُّوء، فلا يُعارِض كشفَه شبهةٌ، ولا همّتَه إرادةٌ، بل هو متمكِّنٌ في انقطاعه وشهوده في حاله.

فصل

قال١: (الدّرجة الثّالثة: تمكُّن العارف، وهو أن يحصل في الحضرة، فوقَ حجب الطّلب، لابسًا نورَ الوجود).

العارف فوق السّالك، ولا يفارقه السُّلوك، لكنّه مع السُّلوك قد ظفِرَ بالمعرفة، فأخذ منها اسمًا أخصَّ من اسم السّالك. وهكذا الشّأن في سائر المقامات والأحوال، فإنّها لا تفارق مَن ترقّى فيها، ولكن إذا ترقّى إلى مقامٍ أخذ اسمه، وكان أحقَّ به مع ثبوت الأوّل له.

والحضرة يراد بها حضرة الجمع، وعندي أنّها حضرة دوام المراقبة والتّمكُّن من مقام الإحسان، فهذه حضرةُ الأنبياء والعارفين.

وأمّا حضرة الجمع التي يشيرون إليها فكلُّ فرقةٍ تشير إلى شيءٍ: فأهل الفناء يريدون حضرة جمع الفناء في توحيد الرُّبوبيّة، وأهلُ الإلحاد يريدون حضرة جمع الوجود في وجودٍ واحدٍ، وطائفةٌ من السّالكين يريدون حضرة جمع الأسماء والصِّفات في ذاتٍ واحدةٍ.

وإذا فُسِّرتْ بحضرة دوام المراقبة والتّمكُّن في مقام الإحسان كان ذلك أحسنَ وأصحَّ، وصاحب هذه الحضرة لدوام مراقبته قد انقشعتْ عنه حُجُبُ

  1. (١) «المنازل» (ص ٩١).
104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي