مدارج السالكين

الغفلات، ولم تَشْغَلْه عن تلك الحضرة الشّواغلُ المُلْهِيات.

وقوله: (فوق حجب الطّلب)، يعني أنّ العارف قد ارتفع عن مقام الطّلب للمعرفة إلى مقام حصولها، والطّالب للأمر دون الواصل إليه، فالطّالب بعدُ في حجاب طلبه، والعارف قد ارتفع فوق حجاب الطّلب بما شاهده من الحقيقة، فالطّالب شيءٌ، والواجد شيءٌ.

وهذا كلامٌ يحتاج إلى شرحٍ وبيانٍ، فإنّ الطّلب لا يفارق العبدَ ما دامت أحكام العبوديّة تجري عليه، ولكنْ هو منتقلٌ في منازل الطّلب، ينتقل من عبوديّةٍ إلى عبوديّةٍ، والمعبود واحدٌ لا ينتقل عنه، فكيف تجرّد المعرفة عن الطّلب؟

هذا موضعٌ زلَّتْ فيه أقدامٌ، وضلَّتْ فيه أفهامٌ، وظنّ المخدوعون المغرورون أنّهم قد استغْنَوا بالمعرفة عن الطّلب، وأنّ الطّلب وسيلةٌ والمعرفة غايةٌ، ولا معنى للاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية. فهؤلاء خرجوا عن الدِّين بالكلِّيّة بعدَ أن شمَّروا في السّير فيها، فردُّوا على أدبارهم، ونَكَصُوا على أعقابهم، ولم يفهموا مراد أهل الاستقامة بذكر حجب الطّلب.

فاعلم أنّ كلّ ما منك حجابٌ على مطلوبك، فإن وقفتَ معه فأنت دون الحجاب، وإن قطعتَه إلى تجريد المطلوب صِرتَ فوق الحجاب. فطلبُك وإرادتك وتوكُّلك وحالك وعملك كلُّه حجابٌ، إن وقفتَ معه أو ركنتَ إليه. وإن جاوزتَه إلى الذي أنت به وله وفي يديه وتحتَ تصرُّفه ومشيئته، وليس لك١ ذرّةٌ واحدةٌ إلّا به ومنه، ولم تقفْ مع طلبك وإرادتك= فقد صرتَ فوق

  1. (١) ش، د: «ذلك».
105

حجاب الطّلب. ففي الحقيقة أنت حجابُ قلبك عن ربِّك، فإذا كشفتَ الحجابَ عن القلب أفضى إلى الرّبِّ، ووصل إلى الحضرة المقدّسة.

وقولنا: (إذا كشفتَ الحجاب) إخبارٌ عن محلِّ العبوديّة، وإلّا فكشفُه ليس بيدك، ولا أنت الكاشف له، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧].

ومن أعظم الضُّرِّ: حجابُ القلب عن الرّبِّ، وهو أعظم عذابًا من الجحيم، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦].

وقوله: (لابسًا نور الوجود)، المعنى الصّحيح من هذه اللّفظة: أنّ نور الوجود هو نورُ ظَفَرِه بإقبال قلبه على الله، وجمْعِ همِّه عليه، وقيامه بمراد ربّه عن مراد نفسه، فصار واجدًا لما أكثر الخلق فاقدٌ له، قد لبس قلبُه نورَ ذلك الوجود، حتّى فاضَ على لسانه وجوارحه وحركاته وسكناته، فإن نطقَ علاه النُّور، وإن سكتَ علاه النُّور.

وأخصُّ من هذا: أنّه قد فاض على قلبه نورُ اليقين بالأسماء والصِّفات، فصار لقلبه من معرفتها والإيمانِ بها وذوقِ حلاوة ذلك نورًا خاصًّا١ غير مجرّد نور العبادة والإرادة والسكون. وإيّاك أن تلتفتَ إلى غير هذا ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النحل: ٩٤].

وليس مراد الشّيخ بالوجود ما يريده المتكلِّمون والفلاسفة، ولا ما

  1. (١) كذا في النسخ، والوجه الرفع.
106

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي