مدارج السالكين

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (باب المكاشفة. قال الله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]).

ووجه احتجاجه بإشارة الآية: أنه سبحانه كشف لعبده ما لم يكشفه لغيره، وأطلعَه على ما لم يُطلِع عليه غيره، فحصل لقلبه الكريم من انكشافِ الحقائق التي لا تخطر ببالِ غيره ما خصَّه الله به. والإيحاء هو الإعلام السّريع الخفيُّ، ومنه الوَحَا الوَحَا؛ أي: الإسراعَ الإسراعَ.

وقوله: ﴿مَا أَوْحَى﴾ أبهمه لعِظَمِه، فإنّ الإبهام قد يقع للتّعظيم، ونظيره: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، أي: أمرٌ عظيمٌ فوق الصِّفة.

قال الشيخ٢: (المكاشفة: مُهاداة السِّرِّ بين متباطنَين). يريد أنَّ المكاشفة إطْلاعُ أحد المتحابَّينِ المتصافيينِ صاحبَه على باطن أمره وسرِّه.

وقوله: (مهاداة السِّرِّ) أي: تردُّد السِّرِّ على وجه الإلطاف والمودّة.

وقوله: (بين متباطنينِ) يعني بالمتباطنين: باطن المكاشِف والمكاشَف، فيحمل سرُّ كلٍّ منهما إلى الآخر كما يحمل إليه هديّته، فيَسرِي سرُّ كلِّ واحدٍ منهما إلى الآخر. وإذا بلغ العبد في مقام المعرفة إلى حدٍّ كأنّه يطالع ما اتّصف به الرّبُّ سبحانه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وأحسَّتْ روحُه

  1. (١) (ص ٩٢).
  2. (٢) (ص ٩٢).
108

بالقرب الخاصِّ الذي ليس كقرب المحسوس من المحسوس، حتّى يشاهدَ رفعَ الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربِّه، فإنّ حجابه هو نفسه، وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوّته= أفضى١ القلبُ والرُّوح حينئذٍ إلى الرّبِّ، فصار يعبده كأنّه يراه. فإذا تحقّق بذلك، وارتفع عنه حجاب النّفس، وانقشعَ عنه ضَبابها ودخانها، وكُشِطَتْ عنه سُحُبُها وغيومُها= فهناك يقال له٢:

بَدا لكَ سِرٌّ طالَ عنك اكتتامُهولاح صباحٌ كنتَ أنت ظَلامُه
فأنت حجابُ القلب عن سِرِّ غيبِهولولاك لم يُطبَع عليه خِتامُه
فإن غبتَ عنه حلَّ فيه وطَنَّبَتْعلى منكبِ الكشف المَصُونِ خِيامُه
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سَماعُهشَهِيٌّ إلينا نثرُه ونِظامُه
إذا ذكرتْه النّفسُ زالَ عَناؤُهاوزال عن القلب الكئيبِ قَتامُه

فلذلك قال الشيخ٣: (وهي في هذا الباب بلوغُ ما وراء الحجاب وجودًا).

وقوله: (وجودًا) احترازٌ من بلوغه سماعًا وعلمًا، وكثيرًا ما يلتبس على العبد أحدهما بالآخر، فأين وجود الحقيقة من العلم بها ومعرفتها؟ كما تقدّم ذلك مرارًا، فتعلُّق العلم بالقلب شيءٌ، واتِّصافه بالمعلوم شيءٌ آخر.

فمن النّاس من يتعلّق به سماع ذلك دون فهمه، ومنهم من يتعلّق به فهمه

  1. (١) جواب «إذا بلغ العبد ...».
  2. (٢) تقدمت الأبيات (٢/ ٥٢٥).
  3. (٣) «المنازل» (ص ٩٢).
109

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي