مدارج السالكين

بالقرب الخاصِّ الذي ليس كقرب المحسوس من المحسوس، حتّى يشاهدَ رفعَ الحجاب بين روحه وقلبه وبين ربِّه، فإنّ حجابه هو نفسه، وقد رفع الله سبحانه عنه ذلك الحجاب بحوله وقوّته= أفضى١ القلبُ والرُّوح حينئذٍ إلى الرّبِّ، فصار يعبده كأنّه يراه. فإذا تحقّق بذلك، وارتفع عنه حجاب النّفس، وانقشعَ عنه ضَبابها ودخانها، وكُشِطَتْ عنه سُحُبُها وغيومُها= فهناك يقال له٢:

بَدا لكَ سِرٌّ طالَ عنك اكتتامُهولاح صباحٌ كنتَ أنت ظَلامُه
فأنت حجابُ القلب عن سِرِّ غيبِهولولاك لم يُطبَع عليه خِتامُه
فإن غبتَ عنه حلَّ فيه وطَنَّبَتْعلى منكبِ الكشف المَصُونِ خِيامُه
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سَماعُهشَهِيٌّ إلينا نثرُه ونِظامُه
إذا ذكرتْه النّفسُ زالَ عَناؤُهاوزال عن القلب الكئيبِ قَتامُه

فلذلك قال الشيخ٣: (وهي في هذا الباب بلوغُ ما وراء الحجاب وجودًا).

وقوله: (وجودًا) احترازٌ من بلوغه سماعًا وعلمًا، وكثيرًا ما يلتبس على العبد أحدهما بالآخر، فأين وجود الحقيقة من العلم بها ومعرفتها؟ كما تقدّم ذلك مرارًا، فتعلُّق العلم بالقلب شيءٌ، واتِّصافه بالمعلوم شيءٌ آخر.

فمن النّاس من يتعلّق به سماع ذلك دون فهمه، ومنهم من يتعلّق به فهمه

  1. (١) جواب «إذا بلغ العبد ...».
  2. (٢) تقدمت الأبيات (٢/ ٥٢٥).
  3. (٣) «المنازل» (ص ٩٢).
109

دون حقيقته، والتّعلُّق الكامل أن يتعلّق به وجوده، فلذلك قال: (بلوغ ما وراء الحجاب وجودًا).

قال الشيخ١: (وهو على ثلاث درجاتٍ؛ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح، وهي لا تكون٢ مستدامةً، فإذا كانت حينًا دون حينٍ، لم٣ يعارضها تفرُّقٌ، غير أنّ الغين ربّما شابَ مقامَه، على أنّه قد بلغ مبلغًا لا يَلتفِته٤ قاطعٌ، ولا يَلْوِيه سببٌ، ولا يَقْتطِعُه حظٌّ، وهي درجة القاصد. فإذا استدامت فهي الدّرجة الثّانية).

المكاشفة الصّحيحة: علومٌ يُحدِثها الرّبُّ تعالى في قلب العبد، ويُطلِعه بها على أمورٍ تخفى على غيره، وقد يُواليها سبحانه، وقد يُمسِكها عنه بالغفلة عنها، يُوارِيها عنه بالغَيْن الذي يَغشى قلبَه وهو أرقُّ الحجب، أو بالغَيْم وهو أغلظُ منه، أو بالرَّانِ وهو أشدُّها.

فالأوّل: يقع للأنبياء، كما قال النّبيُّ ﷺ: «إنّه لَيُغَانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله في كل يوم أكثرَ من سبعينَ مرّةً»٥.

والثّاني: يكون للمؤمنين.

  1. (١) المصدر نفسه.
  2. (٢) كذا في النسخ: «لا تكون». وفي «المنازل» و«شرح التلمساني»: «أن تكون». وسيتكلم عليها المؤلف عند الشرح.
  3. (٣) في ش، د: «ولم».
  4. (٤) «المنازل»: «لا يلفته» مع الإشارة إلى أن في بعض النسخ «لا يلتفته».
  5. (٥) أخرجه مسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغرّ المزني ﵁. وفيه «مئة مرة» بدلًا من «أكثر من سبعين مرة».
110

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي