مدارج السالكين

فهداية الصِّراط المستقيم تتضمّن الشِّفاء من مرض الضّلال. ولذلك١ كان سؤال هذه الهداية أفرضَ دعاءٍ على كلِّ عبدٍ، وأوجبَه عليه كلَ يومٍ وليلةٍ في كلِّ صلاةٍ، لشدّة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة، ولا يقومُ غيرُ هذا السُّؤال مقامَه.

والتَّحقُّقُ٢ بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا ومعرفةً وعملًا وحالًا يتضمّن الشِّفاء من مرض فساد القصد٣. فإنَّ فسادَ القصد يتعلَّق بالغاية٤ والوسائل، فمن طلب غايةً منقطعةً مضمحلّةً فانيةً، وتوسَّل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها كان كلا نوعي قصده فاسدًا. وهذا شأن كلِّ من كان غاية طلبه٥ غيرَ الله وعبوديَّته من المشركين ومتَّبعي٦ الشّهوات الذين لا غاية لهم وراءها، وأصحاب الرِّياسات المتَّبعين لإقامة رياستهم بأيِّ طريقٍ كان من حقٍّ أو باطلٍ. فإذا جاء الحقُّ معارضًا في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم. فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفعَ الصَّائل. فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطّريق، وحادوا عنه إلى طريقٍ أخرى. وهم مستعدُّون لدفعه بحسب الإمكان، فإذا لم يجدوا منه بدًّا أعطوه السِّكَّة والخطبة، وعزلوه عن التّصرُّف والحكم والتّنفيذ. وإن جاء الحقُّ ناصرًا لهم وكان لهم صالوا به

  1. (١) ش: "ولهذا".
  2. (٢) ل، ج، ع: "والتحقيق".
  3. (٣) ع: "القلب والقصد".
  4. (٤) ع: "بالغايات".
  5. (٥) ع: "مطلوبه".
  6. (٦) ع: "مبتغي".
85

وجالوا، وأتوا إليه مذعنين، لا لأنّه حقٌّ، بل لموافقةِ غرضهم وأهوائهم، وانتصارهم به. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ٤٨ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ٤٩ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥٠].

والمقصود: أنّ قصد هؤلاء فاسدٌ في غاياتهم ووسائلهم. وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها واضمحلَّتْ وفنيَتْ، حصلوا على أعظم الخسران والحسرات. وهم أعظم النّاس ندامةً وتحسُّرًا إذا حقَّ الحقُّ وبطَلَ الباطلُ، وتقطَّعت بهم الأسبابُ والوُصَلُ١ التي كانت بينهم، وتيقَّنوا انقطاعَهم عن ركب الفلاح والسَّعادة. وهذا يظهر كثيرًا في الدُّنيا، ويظهر أقوى من ذلك عند الرَّحيل منها والقدوم على الله تعالى. وسيكثُر٢ ظهورُه وتحقُّقه في البرزخ، وينكشف كلَّ الانكشاف يوم اللِّقاء إذا حقَّت الحقائق، وفاز المُحِقُّون، وخَسِر المبطلون، وعلموا أنّهم كانوا كاذبين، وكانوا مخدوعين مغرورين. فياله هنالك من علمٍ لا ينفع عالمَه، ويقينٍ لا يُنجي مستيقنَه.

وكذلك من طلب الغاية العليا والمطلب الأعلى، ولكن لم يتوسَّل إليه بالوسيلة المُوصِلة له٣ إليه، بل توسَّل إليه بوسيلةٍ ظنَّها موصِلةً إليه، وهي

  1. (١) ع: "أسباب الوصل".
  2. (٢) ترك ناسخ ل الثاء والراء من الكلمة فتحرفت في النسخ، والمثبت من الأصل، ج. وفي ع: "ويشتدُّ".
  3. (٣) "له" ساقط من ش.
86

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي