مدارج السالكين

دون حقيقته، والتّعلُّق الكامل أن يتعلّق به وجوده، فلذلك قال: (بلوغ ما وراء الحجاب وجودًا).

قال الشيخ١: (وهو على ثلاث درجاتٍ؛ الدّرجة الأولى: مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح، وهي لا تكون٢ مستدامةً، فإذا كانت حينًا دون حينٍ، لم٣ يعارضها تفرُّقٌ، غير أنّ الغين ربّما شابَ مقامَه، على أنّه قد بلغ مبلغًا لا يَلتفِته٤ قاطعٌ، ولا يَلْوِيه سببٌ، ولا يَقْتطِعُه حظٌّ، وهي درجة القاصد. فإذا استدامت فهي الدّرجة الثّانية).

المكاشفة الصّحيحة: علومٌ يُحدِثها الرّبُّ تعالى في قلب العبد، ويُطلِعه بها على أمورٍ تخفى على غيره، وقد يُواليها سبحانه، وقد يُمسِكها عنه بالغفلة عنها، يُوارِيها عنه بالغَيْن الذي يَغشى قلبَه وهو أرقُّ الحجب، أو بالغَيْم وهو أغلظُ منه، أو بالرَّانِ وهو أشدُّها.

فالأوّل: يقع للأنبياء، كما قال النّبيُّ ﷺ: «إنّه لَيُغَانُ على قلبي، وإنِّي لأستغفر الله في كل يوم أكثرَ من سبعينَ مرّةً»٥.

والثّاني: يكون للمؤمنين.

  1. (١) المصدر نفسه.
  2. (٢) كذا في النسخ: «لا تكون». وفي «المنازل» و«شرح التلمساني»: «أن تكون». وسيتكلم عليها المؤلف عند الشرح.
  3. (٣) في ش، د: «ولم».
  4. (٤) «المنازل»: «لا يلفته» مع الإشارة إلى أن في بعض النسخ «لا يلتفته».
  5. (٥) أخرجه مسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغرّ المزني ﵁. وفيه «مئة مرة» بدلًا من «أكثر من سبعين مرة».
110

والثّالث: لمن غلبت عليه الشِّقوة، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. قال ابن عبّاسٍ وغيره: هو الذّنب بعد الذّنب يُغطِّي القلبَ حتّى يصير كالرَّانِ عليه١.

والحُجُب عشرة:

حجابُ٢ التّعطيلِ ونفيِ حقائق الأسماء والصِّفات، وهو أغلظُها، فلا يُهيَّأُ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف الله، ولا يصل إليه البتّةَ، إلا كما يتهيَّأ للحجر أن يصعد إلى فوق.

الثاني: حجاب الشِّرك، وهو أن يتعبَّد قلبه لغير الله.

الثالث: حجاب البدعة القوليّة، كحُجُب أهل الأهواء والمقالاتِ الفاسدة على اختلافها.

الرابع: حجاب البدعة العمليّة، كحجاب أهل السُّلوك المبتدعين في طريقهم وسلوكهم.

الخامس: حجاب أهل الكبائر الباطنة، كحجاب أهل الكبر والعُجْب والرِّياء والحسد والفخر والخيلاء ونحوها.

السادس: حجاب أهل الكبائر الظّاهرة، وحجابهم أرقُّ من حجاب إخوانهم من أهل الكبائر الباطنة، مع كثرة عباداتهم وزهاداتهم واجتهادهم،

  1. (١) «تفسير البغوي» (٤/ ٤٦٠). وانظر: «تفسير الطبري» (٢٤/ ٢٠٢)، و«الدر المنثور» (١٥/ ٣٠٠).
  2. (٢) في ت قبلها: «حجاب الكفر والشرك». وهو الثاني فيما يلي.
111

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي