مدارج السالكين

في إيمانه ويقينه ومعرفته وعقله، وجمَّلَ به ظاهره وباطنه، فهداه به لأحسن الأخلاق والأعمال، وصرف به عنه سيِّئ الأخلاق والأعمال، وأقام سبحانه من ذلك العمل للقلب جندًا يحارب به قُطَّاعَ طريق الوصول إليه. فيحارب الدُّنيا بالزُّهد فيها وإخراجها من قلبه، ولا يضرُّه أن تكون في يده وبيته وقوّةُ يقينِه بالآخرة. ويحارب الشّيطان بترك الاستجابة لداعي الهوى، فإنّ الشّيطان مع الهوى لا يفارقه. ويحارب الهوى بتحكيم الأمر المطلق والوقوف معه، بحيث لا يبقى له هوًى فيما يفعله ويتركه١. ويحارب النّفس بقوّة الإخلاص.

هذا كلُّه إذا وجد العمل مَنفذًا من القلب إلى الرّبِّ سبحانه، وإن دار فيه ولم يجد مَنفذًا وَثَبَتْ عليه النّفسُ، فأخذتْه وصيَّرتْه جندًا لها، فصالت به وعلَتْ وطغَتْ، فتراه أزهدَ ما يكون، وأعبدَ ما يكون، وأشدَّه اجتهادًا، وهو أبعدُ ما يكون عن الله، وأصحابُ الكبائر أقربُ قلوبًا إلى الله منه، وأدنى إلى الخلاص.

فانظر إلى السَّجّاد العبّاد الزّاهد الذي بين عينيه أثر السُّجود، كيف أورثه طغيانُ عمله أن أنكر على النّبيِّ ﷺ، وأورثَ أصحابَه احتقارَ المسلمين، حتّى سَلُّوا عليهم سيوفهم، واستباحوا دماءهم٢.

وانظر إلى الشِّرِّيب السِّكِّير الذي كان كثيرًا ما يُؤتى به إلى النّبيِّ ﷺ،

  1. (١) «ويحارب الهوى ... ويتركه» مكرر في ش، د.
  2. (٢) يشير إلى ذي الخويصرة التميمي وأصحابه من الخوارج، وقد أخرجه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
113

فيحدُّه على الشّراب، كيف قامت به قوّةُ إيمانه ويقينه، ومحبّته لله ورسوله، وتواضعه وانكساره لله، حتّى نهى رسول الله ﷺ عن لعنته١.

فظهر بهذا أنّ طغيان المعاصي أسلمُ عاقبةً من طغيان الطّاعات.

وقد روى الإمام أحمد في كتاب «الزُّهد»٢ أنّ الله سبحانه أوحى إلى موسى ﷺ: يا موسى، أَنذِر الصِّدِّيقين، فإنِّي لا أضعُ عدلي على أحدٍ إلّا عذَّبتُه من غيرِ أن أظلمَه، وبَشِّرِ الخطّائين، فإنّه لا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره.

فلنرجع إلى شرح كلامه.

فقوله: (مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح)، كلٌّ يدّعي أنّ التّحقيق الصّحيح معه.

وكلٌّ يدَّعُون وصالَ ليلىولكن لا تُقِرُّ لهم بذاكا٣

وليس التّحقيق الصّحيح إلّا المطابق لما عليه الأمر في نفسه، وهو في العلم: الكشفُ المطابق لما أخبرتْ به الرُّسل، وفي الإرادة: الكشفُ المطابق

  1. (١) أخرج البخاري (٦٧٨٠) عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يُلقَّب حمارًا، وكان يُضحِك رسول الله ﷺ، وكان النبي ﷺ قد جلَده في الشراب، فأُتِي به يومًا فأمرَ به فجُلِد، فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنْه، ما أكثرَ ما يُؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ أنه يحبُّ الله ورسولَه».
  2. (٢) رقم (٣٧٦). وفيه: «أوحى إلى داود: يا داود ...». وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٥٧) من طريق أحمد.
  3. (٣) أنشده المؤلف في «الرسالة التبوكية» (ص ٢٧)، والسبكي في «طبقات الشافعية» (٨/ ٢٢٢، ٩/ ٣٧). وهو من عائر الشعر الذي لم ينسب لقائل معيّن.
114

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي