فيحدُّه على الشّراب، كيف قامت به قوّةُ إيمانه ويقينه، ومحبّته لله ورسوله، وتواضعه وانكساره لله، حتّى نهى رسول الله ﷺ عن لعنته١.
فظهر بهذا أنّ طغيان المعاصي أسلمُ عاقبةً من طغيان الطّاعات.
وقد روى الإمام أحمد في كتاب «الزُّهد»٢ أنّ الله سبحانه أوحى إلى موسى ﷺ: يا موسى، أَنذِر الصِّدِّيقين، فإنِّي لا أضعُ عدلي على أحدٍ إلّا عذَّبتُه من غيرِ أن أظلمَه، وبَشِّرِ الخطّائين، فإنّه لا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره.
فلنرجع إلى شرح كلامه.
فقوله: (مكاشفةٌ تدلُّ على التّحقيق الصّحيح)، كلٌّ يدّعي أنّ التّحقيق الصّحيح معه.
وليس التّحقيق الصّحيح إلّا المطابق لما عليه الأمر في نفسه، وهو في العلم: الكشفُ المطابق لما أخبرتْ به الرُّسل، وفي الإرادة: الكشفُ المطابق
- (١) أخرج البخاري (٦٧٨٠) عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلًا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله، وكان يُلقَّب حمارًا، وكان يُضحِك رسول الله ﷺ، وكان النبي ﷺ قد جلَده في الشراب، فأُتِي به يومًا فأمرَ به فجُلِد، فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنْه، ما أكثرَ ما يُؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ أنه يحبُّ الله ورسولَه».
- (٢) رقم (٣٧٦). وفيه: «أوحى إلى داود: يا داود ...». وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٥٧) من طريق أحمد.
- (٣) أنشده المؤلف في «الرسالة التبوكية» (ص ٢٧)، والسبكي في «طبقات الشافعية» (٨/ ٢٢٢، ٩/ ٣٧). وهو من عائر الشعر الذي لم ينسب لقائل معيّن.