مدارج السالكين

لمراد الرّبِّ الدِّينيِّ من عبده. وقولنا «الدِّينيُّ» احترازٌ من مراده الكونيِّ، فإنّ كلّ ما في الكون مُوجَب هذه الإرادة.

فالكشف الصّحيح: أن يعرف الحقّ الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبَه معاينةً لقلبه، وتتجرَّد إرادةُ القلب له، فتدور معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التّحقيق الصّحيح، وما خالفه فغرورٌ قبيحٌ.

قوله: (وهي أن تكون مستدامةً)، هكذا رأيته في نسخٍ، وفي أخرى: «وهي لا تكون مستديمةً»، وكأنّ هذا الثّاني أصحُّ؛ لأنّ سياق الكلام يدلُّ على ذلك، وأنّها غير مستدامةٍ في الدّرجة الأولى، فإذا استدامت صارت في الدّرجة الثّانية، وبذلك يحصل الفرق بين الدّرجتين، وإلّا فلو كانت مستدامةً فيهما كانت الدّرجتان واحدةً.

قوله: (فإذا كانت حينًا دون حينٍ، ولم يُعارضها تفرُّقٌ).

يعني: فهي الدّرجة الأولى، بشرط أن لا يقطعَ حكْمَها تفرُّقٌ، ولهذا قال: لا يُعارضها، ولم يقل: لا يعرِض لها، فإنّ التّفرُّق لا بدَّ أن يعرض، لكن لا يعارضها ويقاومها بحيث يُزِيلها، فإنّ العارض إذا عرض للقلب كرهه ومحاه وأزاله بسرعةٍ.

وأمّا المُعارض فإنّه يُزِيل الحاصلَ ويَخلُفه، فيصير الحكم له.

فلذلك قال: (غيرَ أنّ الغَينَ ربّما شابَ مقامَه، على أنّه قد بلغ مبلغًا ...) إلى آخره. يعني: أنّ لوازم البشريّة لا بدَّ له منها، ولو لم يكن إلّا أخفّها، وهو الحجاب الرّقيق الذي يَعرِض لقلبه وهو الغَيْن، لكنّه لا يضرُّه لأنّه قد بلغ مبلغًا (لا يلتفِتُه قاطعٌ)، أي: لا تُوجِب له القواطعُ التفاتَ قلبه عن مقامه إليها،

115

بل إذا لَحظَها١ بقلبه فرَّ منها، كما يفرُّ الظّبي من الكلب إذا أحسَّ به.

(ولا يَلوِيه سببٌ)، أي: لا يُعوِّج قصدَه للحقِّ سببٌ من الأسباب، ولا يردُّه عنه.

قوله: (ولا يقطعه حظٌّ)، أي: لا يقطعه عن بلوغ مقصوده حظٌّ من الحظوظ النّفسيّة. والقاصد في هذه الدّرجة: هو الذي قد ظفِرَ بالقصد الذي لا يلقى سببًا إلّا قطعه، ولا حائلًا إلّا منعَه، ولا تحاملًا إلّا سهّله. فهذه درجة القاصد، فإذا استدامتْ وتمكَّن فيها السّالكُ فهي الدّرجة الثّانية.

قال الشيخ٢: (وأمّا الدّرجة الثّالثة: فمكاشفةُ عينٍ، لا مكاشفة علمٍ، وهي مكاشفةٌ لا تَذَرُ سِمةً تشير إلى التذاذٍ، وتُلجِئ إلى توقُّفٍ، أو تُنزِل على ترسُّم، وغاية هذه المكاشفة المشاهدة).

إنّما كانت هذه الدّرجة مكاشفةَ عينٍ لغلبة نور الكشف على القلب، فنزلتْ هذه المكاشفة من القلب، وحلَّتْ منه محلَّ العلم الضّروريِّ الذي لا يمكن جحده ولا تكذيبه، بل صارت للقلب بمنزلة المرئيِّ للبصر والمسموع للأذن والوجدانيّات للنّفس. وكما أنّ المشاهدة بالبصر لا تصحُّ إلّا مع صحّة القوّة المدركة، وعدمِ الحائل من جسمٍ أو ظلمةٍ، وانتفاء البعد المُفرِط، فكذلك المكاشفة بالبصيرة تستلزم صحّة القلب، وعدمَ الحائل والشّاغل، وقربَ القلب ممّن يكاشفه بأسراره.

وليس مراد الشّيخ في هذا الباب: الكشف الجزئيّ المشترك بين

  1. (١) ش: «لحضها». والتصويب من هامشها.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٩٣).
116

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي