بل إذا لَحظَها١ بقلبه فرَّ منها، كما يفرُّ الظّبي من الكلب إذا أحسَّ به.
(ولا يَلوِيه سببٌ)، أي: لا يُعوِّج قصدَه للحقِّ سببٌ من الأسباب، ولا يردُّه عنه.
قوله: (ولا يقطعه حظٌّ)، أي: لا يقطعه عن بلوغ مقصوده حظٌّ من الحظوظ النّفسيّة. والقاصد في هذه الدّرجة: هو الذي قد ظفِرَ بالقصد الذي لا يلقى سببًا إلّا قطعه، ولا حائلًا إلّا منعَه، ولا تحاملًا إلّا سهّله. فهذه درجة القاصد، فإذا استدامتْ وتمكَّن فيها السّالكُ فهي الدّرجة الثّانية.
قال الشيخ٢: (وأمّا الدّرجة الثّالثة: فمكاشفةُ عينٍ، لا مكاشفة علمٍ، وهي مكاشفةٌ لا تَذَرُ سِمةً تشير إلى التذاذٍ، وتُلجِئ إلى توقُّفٍ، أو تُنزِل على ترسُّم، وغاية هذه المكاشفة المشاهدة).
إنّما كانت هذه الدّرجة مكاشفةَ عينٍ لغلبة نور الكشف على القلب، فنزلتْ هذه المكاشفة من القلب، وحلَّتْ منه محلَّ العلم الضّروريِّ الذي لا يمكن جحده ولا تكذيبه، بل صارت للقلب بمنزلة المرئيِّ للبصر والمسموع للأذن والوجدانيّات للنّفس. وكما أنّ المشاهدة بالبصر لا تصحُّ إلّا مع صحّة القوّة المدركة، وعدمِ الحائل من جسمٍ أو ظلمةٍ، وانتفاء البعد المُفرِط، فكذلك المكاشفة بالبصيرة تستلزم صحّة القلب، وعدمَ الحائل والشّاغل، وقربَ القلب ممّن يكاشفه بأسراره.
وليس مراد الشّيخ في هذا الباب: الكشف الجزئيّ المشترك بين
(١) ش: «لحضها». والتصويب من هامشها.
(٢) «المنازل» (ص ٩٣).
المؤمنين والكفّار والأبرار والفجَّار، كالكشف عمَّا في دار العبد، أو في يده، أو تحت ثيابه، أو ما حملَتْ به امرأته بعد انعقاده ذكرًا أو أنثى، وما غاب عن العيان من أحوال البلد الشّاسع ونحو ذلك، فإنّ ذلك يكون من الشّيطان تارةً، ومن النّفس تارةً، ولذلك يقع من الكفّار، كالنصارى وعابدي النِّيران والصُّلبان، فقد كاشفَ ابنُ صيّادٍ رسولَ الله ﷺ بما أضمره له وخَبَأه، فقال له رسول الله ﷺ: «إنّما أنت من إخوان الكهَّان»١. فأخبر أنّ ذلك الكشف من جنس كشف الكهّان، وأنّ ذلك قدره. وكذلك مسيلمة الكذّاب مع فرط كفره كان يُكاشف أصحابَه بما فعله أحدهم في بيته وما قال لأهله، يخبره به شيطانُه ليُغوِي الناس٢. وكذلك الأسود العَنْسيُّ٣، والحارث المتنبِّي الدِّمشقيُّ٤ الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان، وأمثال هؤلاء ممّن لا يُحصِيهم إلّا الله. ورأينا نحن وغيرنا منهم جماعةً، وشاهد النّاس من كشف الرُّهبان عُبّادِ الصليب ما هو معروفٌ.
والكشف الرحمانيُّ من هذا النوع: هو مثل كشف أبي بكرٍ لمّا قال
(١) إنما قاله لحمل بن النابغة الهذلي لما تكلَّم بسجع، كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١). أما ابن صيَّاد فقال له النبي ﷺ: «اخْسأ فلن تَعْدُوَ قدرك»، كما في حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣٠).
(٢) انظر: «تاريخ الطبري» (٣/ ٢٨١ وما بعدها)، و«البداية والنهاية» (٩/ ٤٥٨ وما بعدها).