المؤمنين والكفّار والأبرار والفجَّار، كالكشف عمَّا في دار العبد، أو في يده، أو تحت ثيابه، أو ما حملَتْ به امرأته بعد انعقاده ذكرًا أو أنثى، وما غاب عن العيان من أحوال البلد الشّاسع ونحو ذلك، فإنّ ذلك يكون من الشّيطان تارةً، ومن النّفس تارةً، ولذلك يقع من الكفّار، كالنصارى وعابدي النِّيران والصُّلبان، فقد كاشفَ ابنُ صيّادٍ رسولَ الله ﷺ بما أضمره له وخَبَأه، فقال له رسول الله ﷺ: «إنّما أنت من إخوان الكهَّان»١. فأخبر أنّ ذلك الكشف من جنس كشف الكهّان، وأنّ ذلك قدره. وكذلك مسيلمة الكذّاب مع فرط كفره كان يُكاشف أصحابَه بما فعله أحدهم في بيته وما قال لأهله، يخبره به شيطانُه ليُغوِي الناس٢. وكذلك الأسود العَنْسيُّ٣، والحارث المتنبِّي الدِّمشقيُّ٤ الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان، وأمثال هؤلاء ممّن لا يُحصِيهم إلّا الله. ورأينا نحن وغيرنا منهم جماعةً، وشاهد النّاس من كشف الرُّهبان عُبّادِ الصليب ما هو معروفٌ.
والكشف الرحمانيُّ من هذا النوع: هو مثل كشف أبي بكرٍ لمّا قال
(١) إنما قاله لحمل بن النابغة الهذلي لما تكلَّم بسجع، كما في حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١). أما ابن صيَّاد فقال له النبي ﷺ: «اخْسأ فلن تَعْدُوَ قدرك»، كما في حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري (١٣٥٤)، ومسلم (٢٩٣٠).
(٢) انظر: «تاريخ الطبري» (٣/ ٢٨١ وما بعدها)، و«البداية والنهاية» (٩/ ٤٥٨ وما بعدها).
لعائشة: إنَّ امرأته حاملٌ بأنثى١، وكشف عمر وقد قال: يا ساريةُ الجبلَ٢، وأضعاف هذا من كشف أولياء الرّحمن.
والمقصود: أنّ مراد القوم بالكشف في هذا الباب أمرٌ وراء ذلك، وأفضلُه وأجلُّه أن يُكْشَف للسّالك عن طريق سلوكه ليستقيم عليها، وعن عيوب نفسه ليصلحها، وعن ذنوبه ليتوب منها. فما أكرم الله الصّادقين بكرامةٍ أعظمَ من هذا الكشف، وجعلهم منقادين له عاملين بمقتضاه، فإذا انضمّ هذا الكشف إلى كشف تلك الحُجُب المتقدِّمة عن قلوبهم، سارت القلوب إلى ربِّها مَسيرَ الغيث استدبرتْه الرِّيحُ.
فلنرجعْ إلى شرح كلامه.
فقوله: (الدّرجة الثّالثة: مكاشفة عينٍ، لا مكاشفة علمٍ)، أي: متعلَّق هذه المكاشفة عين الحقيقة، بخلاف مكاشفة العلم، فإنّ متعلَّقها الصُّورة الذِّهنيّة المطابقة للحقيقة الخارجيّة. فكشفُ العلم: أن يكون مطابقًا لمعلومه،
(١) روى مالك في «الموطأ» (٢١٨٩) ــ ومن طريقه البيهقي (٦/ ١٧٠) ــ وابن سعد في «الطبقات» (٣/ ١٩٤، ١٩٥) عن عائشة أن أبا بكر قال لها قبل وفاته بشأن الميراث: «وإنما هما أخواكِ وأختاكِ، فاقتسِموه على كتاب الله». قالت عائشة: فقلتُ: يا أبتِ، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: «ذو بطنِ بنتِ خارجة، أُراها جارية». قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٢/ ٢٩٨): «فكانت ذو بطنِ بنت خارجة جاريةً أتتْ بعده، فسُمِّيت أم كلثوم، وأما بنت خارجة فهي زوجته. وكان قول أبي بكر ظنًّا كاليقين». ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٠/ ٤٢٤، ٤٢٥، ٦١/ ٢٧٦).
(٢) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٦/ ٣٧٠)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢٥٣٧)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٠/ ٢٤) وغيرهم عن ابن عمر ﵄ وحسَّنه الحافظ في «الإصابة» (٤/ ١٧٧).