قوله: (ولا مكاشفة حالٍ)، مكاشفة الحال: هي المواجيد التي يجدها السالك بوارداته، حتّى يبقى الحكم لقلبه وحاله.
قوله: (وهي مكاشفةٌ لا تَذَر سِمةً تشير إلى التذاذه)، يريد: أنّ هذه المكاشفة تمحو رسومَ المكاشف، فلا يبقى منه ما يحسُّ بلذّةٍ، فإنّ الأحوال والمواجيد لها لذّةٌ عظيمةٌ، أضعاف اللّذّة الحسِّيّة، فإنّ لذَّاتها١ روحانيّةٌ قلبيّةٌ، والمكاشفة العينيّة تُغيِّب المكاشفَ عن إدراك تلك اللّذّة. والسِّمة هي العلامة، فالمعنى: أنّ هذه المكاشفة لا تَذَرُ له٢ علامةً تدلُّه على لذّةٍ.
قوله: (أو تُلجِئ إلى توقُّفٍ)٣، يعني: لا تَذَرُ منه بقيّةً تُلجِئه إلى وقفةٍ، فإنّ البقيّة التي تبقى على السّالك من نفسه هي التي تُلجِئه إلى التّوقُّف في سيره.
قوله: (ولا تُنزِل على ترسُّم)، أي: لا تُنزِل هذه المكاشفة على من بقي فيه رسمٌ، فإنَّ رسمه حجابٌ بينه وبين هذه المكاشفة، فإنّها بمنزلة نور الشمس، فلا تنزل في بيتٍ عليه سقفٌ حائلٌ، فإنّ الرسم عند القوم هو الحجاب بينهم وبين مطلوبهم، والرسم هو النفس وأحكامها وصفاتها.
وهذه المكاشفة إذا قويت واستحكمت صارت مشاهدةً، ولذلك قال: (وغاية هذه المكاشفة هو مقام المشاهدة).
✽ ✽ ✽
(١) «لذاتها» مكررة في ش، د.
(٢) د: «لا تدركه».
(٣) ش، د: «موقف».
فصل
قال صاحب «المنازل»١: (باب المشاهدة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾[ق: ٣٧]).
قلت: جعل الله سبحانه كلامه ذكرى، ينتفع بها مَن جمعَ هذه الأمور الثّلاثة:
أحدها: أن يكون له قلبٌ حيٌّ واعٍ، فإذا فقد هذا القلب لم ينتفع بالذِّكرى.
الثاني: أن يُصغي سَمْعَه فيُميله كلَّه نحو المخاطب له، فإن لم يفعل لم ينتفع بكلامه.
الثالث: أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلِّم له وهو الشّهيد؛ أي الحاضر غير الغائب، فإن غاب قلبه وسافر في موضعٍ آخر لم ينتفع بالخطاب.
وهذا كما أنَّ المبصر لا يدرك حقيقة المرئيِّ إلَّا إذا كانت له قوّةٌ باصرةٌ، وحدَّقَ بها نحو المرئيِّ، ولم يكن قلبه مشغولًا بغير ذلك. فإن فقد القوّة المبصرة، أو لم يُحدِّق نحو المرئيِّ، أو حدَّقَ نحوه وقلبُه كلُّه في موضعٍ آخر= لم يدركه، فكثيرًا٢ ما يمرُّ بك إنسانٌ أو غيره، وقلبك مشغولٌ بغيره، فلا تَشعُر بمروره. فهذا الشّأن يستدعي صحّة القلب وحضوره، وكمال الإصغاء.