مدارج السالكين

فصل

قال الشيخ١: (المشاهدة: سقوط الحجاب بتًّا) أي: قطعًا، بحيث لا يبقى منه شيءٌ، والمشاهدة هي المُسقِطة للحجاب، أو التي تكون عند سقوط الحجاب، وليست هي نفس سقوط الحجاب، لكن عبّر عن الشّيء بلازمه، فإنّ سقوط الحجاب يلازم حصول المشاهدة.

قوله٢: (وهي فوق المكاشفة)، هذا يدلُّك على أنّ مراد الشّيخ ومن وافقه من أهل الاستقامة بالمكاشفة والمشاهدة: قوّة اليقين، ومزيد العلم، وارتفاع الحجب المانعة من ذلك، لا نفسُ معاينة الحقيقة، فإنّ المكاشفة لو كانت هي معاينة الحقيقة لَمَا كان فوقها مرتبةٌ أخرى.

وإنّما كانت المشاهدة عنده فوق المكاشفة لِما ذكره من قوله٣: (إنَّ المكاشفة ولاية النعت، وفيه شيءٌ من بقايا الرسم، والمشاهدة ولاية العين والذات).

يريد: أنّ المكاشفة تتعلّق بالصِّفات الإلهيّة، فولايتها ولاية النُّعوت والأوصاف؛ أي: سلطانها وما يتعلّق به هو النُّعوت والصِّفات، وسلطانُ المشاهدة وما يتعلّق به هو نفس الذّات الجامعة للنُّعوت والصِّفات، فلذلك كانت فوقها وأكملَ منها.

والفرق بين ولاية النّعت وولاية العين والذّات: أنّ النّعت صفةٌ، ومن

  1. (١) «المنازل» (ص ٩٣).
  2. (٢) المصدر نفسه.
  3. (٣) المصدر نفسه.
123

شاهد الصِّفة فلا بدّ أن يشاهد متعلَّقاتها، فإنّ النّظر في متعلَّقاتها يُكسِبه التّعظيم للمتّصف بها، فإنّ من شاهد العلم القديم الأزليّ متعلِّقًا بسائر المعلومات التي لا تتناهى من واجبٍ وممكنٍ ومستحيلٍ، ومن شاهد الإرادة الموجبة لسائر المرادات على تنوُّعها من الأفعال والأعيان والحركات والأوصاف التي لا تتناهى، وشاهدَ القدرةَ التي هي كذلك، وشاهد صفةَ الكلام التي لو أنّ البحر يَمُدُّه من بعده سبعة أبحرٍ، وأشجار العالم كلُّها أقلامٌ يُكتب بها كلامُ الرّبِّ ﷻ، فَنِيتِ البحار، ونَفِدت الأقلام، وكلام الله ﷿ لا ينفَد ولا يفنى؛ فمن شاهدَ الصِّفات كذلك، وجالَ قلبه في عظمتها= فهو مشغولٌ بالصِّفات، ومتفرِّق١ قلبه في متعلَّقاتها وتنوعها في أنفسها، بخلاف من قصَرَ نظره على نفس الذّات، وشاهد قِدمَها وبقاءها، واستغرق قلبه في عظمة تلك الذّات بقطع النّظر عن صفاتها، فهو مشاهدٌ للعين، والأوّل مشاهدٌ للصِّفات. فالأوّل في فرقٍ، وهذا في جمعٍ. فمن استغرق قلبه في هذا المشهد استحقّ اسم المشاهد، ووصف المشاهدة عند القوم إذا غاب عن إدراك رسمِه وكلِّ ما فيه من علمٍ وعملٍ وحالٍ. هذا تقرير٢ كلامه.

وبعدُ، فإنّ ولاية النُّعوت والصِّفات التي جعلها دون ولاية العين والذّات ليس كما زعمه، بل لا نسبةَ بينهما البتّةَ، فإنّ الله سبحانه دعا عباده في كتبه الإلهيّة إلى الأوّل دون الثّاني، وبذلك نطقتْ كتبه ورسله، فهذا القرآن من أوّله إلى آخره إنّما يدعو النّاس إلى النّظر في صفاته وأفعاله وأسمائه، دون الذّات المجرّدة، فإنّ الذّات المجرّدة التي لا يُلحَظ معها وصفٌ ولا يُشهَد

  1. (١) ت: «مستغرق». وكتب فوقها: «متفرق».
  2. (٢) ت: «تفسير».
124

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي