مدارج السالكين

شاهد الصِّفة فلا بدّ أن يشاهد متعلَّقاتها، فإنّ النّظر في متعلَّقاتها يُكسِبه التّعظيم للمتّصف بها، فإنّ من شاهد العلم القديم الأزليّ متعلِّقًا بسائر المعلومات التي لا تتناهى من واجبٍ وممكنٍ ومستحيلٍ، ومن شاهد الإرادة الموجبة لسائر المرادات على تنوُّعها من الأفعال والأعيان والحركات والأوصاف التي لا تتناهى، وشاهدَ القدرةَ التي هي كذلك، وشاهد صفةَ الكلام التي لو أنّ البحر يَمُدُّه من بعده سبعة أبحرٍ، وأشجار العالم كلُّها أقلامٌ يُكتب بها كلامُ الرّبِّ ﷻ، فَنِيتِ البحار، ونَفِدت الأقلام، وكلام الله ﷿ لا ينفَد ولا يفنى؛ فمن شاهدَ الصِّفات كذلك، وجالَ قلبه في عظمتها= فهو مشغولٌ بالصِّفات، ومتفرِّق١ قلبه في متعلَّقاتها وتنوعها في أنفسها، بخلاف من قصَرَ نظره على نفس الذّات، وشاهد قِدمَها وبقاءها، واستغرق قلبه في عظمة تلك الذّات بقطع النّظر عن صفاتها، فهو مشاهدٌ للعين، والأوّل مشاهدٌ للصِّفات. فالأوّل في فرقٍ، وهذا في جمعٍ. فمن استغرق قلبه في هذا المشهد استحقّ اسم المشاهد، ووصف المشاهدة عند القوم إذا غاب عن إدراك رسمِه وكلِّ ما فيه من علمٍ وعملٍ وحالٍ. هذا تقرير٢ كلامه.

وبعدُ، فإنّ ولاية النُّعوت والصِّفات التي جعلها دون ولاية العين والذّات ليس كما زعمه، بل لا نسبةَ بينهما البتّةَ، فإنّ الله سبحانه دعا عباده في كتبه الإلهيّة إلى الأوّل دون الثّاني، وبذلك نطقتْ كتبه ورسله، فهذا القرآن من أوّله إلى آخره إنّما يدعو النّاس إلى النّظر في صفاته وأفعاله وأسمائه، دون الذّات المجرّدة، فإنّ الذّات المجرّدة التي لا يُلحَظ معها وصفٌ ولا يُشهَد

  1. (١) ت: «مستغرق». وكتب فوقها: «متفرق».
  2. (٢) ت: «تفسير».
124

فيها نعتٌ، لا تدلُّ على كمالٍ ولا جلالٍ، ولا يُحصِّل١ شهودُها إيمانًا، فضلًا عن أن يكون من أعلى مقامات العارفين.

ويا سبحان الله! أين٢ شهودُ صفات الكمال وتنوُّعها وكثرتها، وما تدلُّ عليه من عظمة الموصوف بها وجلاله وكماله، وأنّه ليس كمثله شيءٌ في كماله؛ لكثرة أوصافه ونعوته وأسمائه، وامتناع أضدادها عليه، وثبوتها له على أكمل الوجوه الذي لا نقص فيه بوجهٍ ما= من شهودِ ذاتٍ قد غاب شاهدها عن كلِّ صفةٍ ونعتٍ واسمٍ؟!

فبين هذين المشهدين من التّفاوت ما لا يُحصيه إلّا الله، وهذا هو مشهد من تألَّه وفني من الجهميّة والمعطِّلة، صَرَّحوا بذلك وقالوا: كمال هذا المشهد هو قَصْر النّظر على عين الذّات، وتنزيهها عن الأعراض والأبعاض والأغراض والحدود والجهات.

ومرادهم بالأعراض: الصِّفات التي تقوم بالحيِّ، كالسّمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام، فلا سمع له، ولا بصر، ولا إرادة، ولا حياة، ولا علم، ولا قدرة.

ومرادهم بالأبعاض: أنّه لا وجه له ولا يدان، ولم يخلق آدم بيده، ولا يقبض٣ سماواته بيده، ولا يطوي الأرض باليد الأخرى، ولا يمسك السّماوات على إصبعٍ ولا الأرضين على إصبعٍ ولا الشّجر على إصبعٍ،

  1. (١) ت، ر: «ولا في تحصيل».
  2. (٢) ر: «أين يكون في».
  3. (٣) ر: «ولم يطو».
125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي