مدارج السالكين

كونه صمدًا، وصفاته السَّلبيَّة المتضمِّنة للثبوت مِن كونه لم يَلِد ولم يُولَد ولم يكن له كفؤًا أحد١، ولم يجعل لهم سبيلًا إلى معرفة الذَّات والكُنْه.

فما هذا الشُّهود العينيُّ٢ الذّاتيُّ الذي جعلتموه للمشاهد، وجعلتموه فوق المكاشفة، وجعلتم٣ ولاية المكاشفة النّعت وولاية المشاهدة العين؟

فاعلم أنّ مراد الشّيخ ــ قدَّس الله روحه ــ وأمثاله من العارفين أهل الاستقامة: أن لا يقصر نظر القلب على صفةٍ من الصِّفات، بحيث يستغرق فيها وحدها، بل يكون التفاتُه وشهوده واقعًا على الذّات الموصوفة بصفات الكمال المنعوتة بنعوت الجلال، فحينئذٍ يكون شهوده واقعًا على الذّات والصِّفات جميعًا.

ولا ريبَ أنّ هذا فوق مشهد الصِّفة الواحدة أوالصِّفات.

ولكن يقال: الشُّهود لا يقع على الصِّفة المجرّدة، ولا يصحُّ تجرُّدها في الخارج ولا في الذِّهن، بل متى٤ شهد الصِّفة شهد قيامها بالموصوف ولا بدّ، فما هذا الشُّهود الذّاتيُّ الذي هو فوق الوصف؟

والأمر يرجع إلى شيءٍ واحدٍ، وهو أنّ من كان بصفات الله أعرفَ، ولها أثبت، ومعارضُ الإثبات منتفٍ عنده= كان أكملَ شهودًا، ولهذا كان أكملُ

  1. (١) «فدلَّهم ... أحد» من ر، والظاهر أنه سقط من أصل سائر النسخ لانتقال النظر.
  2. (٢) «العيني» ليست في ت.
  3. (٣) ش، د: «وجعلهم».
  4. (٤) ت: «من».
127

الخلق شهودًا مَن قال: «لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك»١، فلكمال معرفته بالأسماء والصِّفات استدلَّ بما عرفه منها، على أنّ الأمر فوق ما أحصاه وعلمه.

فمشهدُ الصِّفات: مشهد الرُّسل والأنبياء وورثتهم، وكلُّ من كان بها أعرفَ كان بالله أعلم، وكان مشهده بحسب ما عرف منها، وليس للعبد في الحقيقة مشاهدةٌ ولا مكاشفةٌ، لا للذّات ولا للصِّفات، أعني مشاهدة عيانٍ وكشف عيانٍ، وإنّما هو مزيد٢ إيمانٍ وإيقانٍ.

ويجب التنبيه والتّنبُّه هاهنا على أمرٍ٣، وهو: أنّ المَشاهد نتائج العقائد، فمن كان معتقده ثابتًا في أمرٍ من الأمور، فإنّه إذا صفَتْ نفسه وارتاضت، وفارقت الشّهوات والرّذائل، وصارت روحانيّةً= تجلّى لها صورة معتقدها كما اعتقدتْه، وربّما قوي ذلك التّجلِّي حتّى يصير لها كالعيان، وليس به، فيقع الغلط من وجهين:

أحدهما: أنّ ذلك ثابتٌ في الخارج، وإنّما هو في الذِّهن، ولكن لمّا صفا وارتاضَ، وانجلتْ عنه ظلمات الطّبع، وغاب بمشهوده عن شهوده، واستولت عليه أحكام القلب بل أحكام الرُّوح= ظنّ أنَّ ما ظهر له في الخارج، ولا تأخذه في ذلك لومة لائمٍ، ولو جاءته كلُّ آيةٍ في السّماوات والأرض، وذلك عنده بمنزلة من عايَنَ الهلال ببصره جهرةً، فلو قال له أهل

  1. (١) كما في حديث عائشة ﵂ الذي أخرجه مسلم (٤٨٦).
  2. (٢) ت: «مشهد».
  3. (٣) ت: «لأمر».
128

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي