الخلق شهودًا مَن قال: «لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك»١، فلكمال معرفته بالأسماء والصِّفات استدلَّ بما عرفه منها، على أنّ الأمر فوق ما أحصاه وعلمه.
فمشهدُ الصِّفات: مشهد الرُّسل والأنبياء وورثتهم، وكلُّ من كان بها أعرفَ كان بالله أعلم، وكان مشهده بحسب ما عرف منها، وليس للعبد في الحقيقة مشاهدةٌ ولا مكاشفةٌ، لا للذّات ولا للصِّفات، أعني مشاهدة عيانٍ وكشف عيانٍ، وإنّما هو مزيد٢ إيمانٍ وإيقانٍ.
ويجب التنبيه والتّنبُّه هاهنا على أمرٍ٣، وهو: أنّ المَشاهد نتائج العقائد، فمن كان معتقده ثابتًا في أمرٍ من الأمور، فإنّه إذا صفَتْ نفسه وارتاضت، وفارقت الشّهوات والرّذائل، وصارت روحانيّةً= تجلّى لها صورة معتقدها كما اعتقدتْه، وربّما قوي ذلك التّجلِّي حتّى يصير لها كالعيان، وليس به، فيقع الغلط من وجهين:
أحدهما: أنّ ذلك ثابتٌ في الخارج، وإنّما هو في الذِّهن، ولكن لمّا صفا وارتاضَ، وانجلتْ عنه ظلمات الطّبع، وغاب بمشهوده عن شهوده، واستولت عليه أحكام القلب بل أحكام الرُّوح= ظنّ أنَّ ما ظهر له في الخارج، ولا تأخذه في ذلك لومة لائمٍ، ولو جاءته كلُّ آيةٍ في السّماوات والأرض، وذلك عنده بمنزلة من عايَنَ الهلال ببصره جهرةً، فلو قال له أهل
(١) كما في حديث عائشة ﵂ الذي أخرجه مسلم (٤٨٦).
(٢) ت: «مشهد».
(٣) ت: «لأمر».
السّماوات والأرض: لم تره، لم يلتفت إليهم.
ولعمر الله إنّا لا نُكذِّبه فيما أخبر به عن رؤيته، ولكن إنّما رأى صورة معتقده في ذاته ونفسه، لا الحقيقة في الخارج، فهذا أحد الغلطين. وسببه: قوّة١ ارتباط حاسّة البصر بالقلب، فالعين مرآة القلب وشديدة الاتِّصال به، وينضمُّ إلى ذلك قوّة الاعتقاد، وضعفُ التّمييز، وغلبةُ حكم الحال على العلم، وسماعُه من القوم أنّ العلم حجابٌ.
والغلط الثّاني: أنّ الأمر كما اعتقده، وأنّ ما في الخارج مطابقٌ لاعتقاده، فيتولّد من هذين الغلطين مثل هذا الكشف والشُّهود.
ولقد أخبر صادق الملاحدة القائلين بوحدة الوجود: أنّهم كُشِفَ لهم٢ أنّ الأمر كما قالوه، وشهدوه في الخارج كذلك عيانًا، وهذا الكشف والشُّهود ثمرة اعتقادهم ونتيجته. فهذه إشارةٌ ما إلى الفرقان في هذا الموضع، والله أعلم.
فصل
قال٣: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: مشاهدة معرفةٍ، تجري فوق حدود العلم، في لوائح نور الوجود، مُنِيخةً بفناء الجمع).
هذا بناءً على أصول القوم، وأنّ المعرفة فوق العلم، فإنّ العلم هو إدراك المعلوم ولو ببعض صفاته ولوازمه، والمعرفة عندهم إحاطةٌ بعين الشّيء