مدارج السالكين

السّماوات والأرض: لم تره، لم يلتفت إليهم.

ولعمر الله إنّا لا نُكذِّبه فيما أخبر به عن رؤيته، ولكن إنّما رأى صورة معتقده في ذاته ونفسه، لا الحقيقة في الخارج، فهذا أحد الغلطين. وسببه: قوّة١ ارتباط حاسّة البصر بالقلب، فالعين مرآة القلب وشديدة الاتِّصال به، وينضمُّ إلى ذلك قوّة الاعتقاد، وضعفُ التّمييز، وغلبةُ حكم الحال على العلم، وسماعُه من القوم أنّ العلم حجابٌ.

والغلط الثّاني: أنّ الأمر كما اعتقده، وأنّ ما في الخارج مطابقٌ لاعتقاده، فيتولّد من هذين الغلطين مثل هذا الكشف والشُّهود.

ولقد أخبر صادق الملاحدة القائلين بوحدة الوجود: أنّهم كُشِفَ لهم٢ أنّ الأمر كما قالوه، وشهدوه في الخارج كذلك عيانًا، وهذا الكشف والشُّهود ثمرة اعتقادهم ونتيجته. فهذه إشارةٌ ما إلى الفرقان في هذا الموضع، والله أعلم.

فصل

قال٣: (وهي على ثلاث درجاتٍ. الدّرجة الأولى: مشاهدة معرفةٍ، تجري فوق حدود العلم، في لوائح نور الوجود، مُنِيخةً بفناء الجمع).

هذا بناءً على أصول القوم، وأنّ المعرفة فوق العلم، فإنّ العلم هو إدراك المعلوم ولو ببعض صفاته ولوازمه، والمعرفة عندهم إحاطةٌ بعين الشّيء

  1. (١) «قوة» ليست في ت.
  2. (٢) «أنهم كشف لهم» ليست في ت.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٩٣).
129

على ما هو به كما حدّها الشّيخ. ولا ريبَ أنّها بهذا الاعتبار فوق العلم، لكن على هذا الحدِّ لا يُتصوَّر أن يَعرِف الله أحدٌ من خلقه البتّةَ. وسيأتي الكلام على هذا الحدِّ في موضعه١، وليست المعرفة عند القوم مشروطةً بما ذُكِر، وسنذكر كلامهم إن شاء الله.

وقد ذكر بعضهم٢: أنّ أعمال الأبرار بالعلم، وأعمال المقرّبين بالمعرفة.

وهذا كلامٌ يصحُّ من وجهٍ، ويبطُل من وجهٍ، فالأبرار والمقرّبون عاملون بالعلم، واقفون مع أحكامه، وإن كانت معرفة المقرّبين أكملَ من معرفة الأبرار، فكلاهما أهل علمٍ ومعرفةٍ، فلا يُسلَب عن الأبرار المعرفة، ولا يستغني المقرّبون عن العلم، وقد قال النّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبلٍ: «إنّك تأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فليكنْ أوّل ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلّا الله، فإذا هم عرفوا الله فأخبِرْهم أنّ الله قد فرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم واللّيلة»٣. فجعلهم عارفين بالله قبل إتيانهم بفرض الصّلاة والزّكاة، بل في أوّل أوقات دخولهم في الإسلام، ولا ريبَ أنّ هذه المعرفة ليست كمعرفة المهاجرين والأنصار، فالنّاس متفاوتون في درجات المعرفة.

قوله: (في لوائح نور الوجود)، يعني: أنّ مشاهدة المعرفة بوارقُ تلوح من نور الوجود، والوجود عند الشّيخ ثلاث مراتب: وجود علمٍ، ووجود

  1. (١) (ص ٢٧٩).
  2. (٢) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٥١٤).
  3. (٣) أخرجه البخاري (١٤٥٨)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
130

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي