عينٍ، ووجود مقامٍ، كما سيأتي شرحه في موضعه إن شاء الله.
وهذه اللّوائح التي أشار إليها تلوح في المراتب الثّلاثة، وقد ذكروا عن الجنيد أنّه قال: علم التّوحيد مباينٌ لوجوده، ووجوده مباينٌ لعلمه١.
ومعنى ذلك: أنّ العبد قد يصحُّ له العلم بانفراد الحقِّ في ذاته وصفاته وأفعاله علمًا جازمًا، لا يشكُّ فيه ولا يرتاب، ولكن إذا اختلفت عليه الأسباب، وتقاذفتْ به أمواجُها، لم يثبت قلبه في أوائل الصَّدَمات، ولم يبادر إذ ذاك إلى رؤية الأسباب كلِّها من الأوّل الذي دلّت على وحدانيّته وأوّليّته البراهينُ القطعيّة والمشاهدة الإيمانيّة، فهذا عالمٌ بالتّوحيد غير واجدٍ مقامه، ولا متَّصف بحالٍ أكسَبَه إيَّاها التوحيدُ، فإذا وجد قلبه وقتَ اختلافِ الأحوال٢ وتباينِ الأسباب واثقًا بربِّه، مقبلًا عليه، مستغرقًا في شهود وحدانيّته في ربوبيّته وإلهيّته، وأنّه وحده منفردٌ بتدبير عباده= فقد وجد مقام التّوحيد وحاله.
وأهل هذا المقام متفاوتون في شهوده تفاوتًا عظيمًا: من مُدركٍ لما هو فيه متنعِّمٍ متلذِّذٍ به في وقتٍ دون وقتٍ، ومن غالبٍ عليه هذه٣ الحال، ومن مستغرقٍ غائبٍ عن حظِّه ولذّته بما هو فيه من وجوده، فنور الوجود قد غشي مشاهدته بحاله، ولمَّا يصلْ إلى مقام الجمع، بل قد أناخَ بفِنائه، والوجود عنده هو حضرة الجمع، وتُسمّى حضرة الوجود.
(١) «الرسالة القشيرية» (ص ٢٤٧، ٦٢٢).
(٢) د: «الاختلاف للأحوال».
(٣) ر: «هذا».
وقوله: (مُنِيخةً بفِناء الجمع)، يعني: قد شارفت مشاهدته منزلَ الجمع، وأناخت به، وتهيّأ لدخوله. وهذه استعارةٌ، فكأنّه مثّل المشاهد بالمسافر بناقته التي يسافر عليها، فإنّها الحاملة له، وشبّه حضرة الجمع بالمنزل والدّار، وقد أناخ المسافر مركوبَه بفِنائها، وهذا إشارةٌ منه إلى إشرافه عليها، وأنّ نور الوجود لا يلُوح إلّا منها.
إنّما كانت هذه الدّرجة أعلى ممّا قبلها، لأنّ تلك الدّرجة مشاهدةٌ ترقَّتْ عن العلم النّظريِّ بالتّوحيد، وتمكَّنتْ في وجود التّوحيد، حتّى صار صاحبها يرى الأسباب كلّها٢ من واحدٍ متقدِّمٍ عليها، لا أوّل٣ لوجوده حالًا وذوقًا، وأناخَ بفِناء الجمع ليتبوّأه منزلًا لتوحيده، ولكنّه بعدُ لم يكمُل استغراقُه عن شهود رسمها بالكلِّيّة، فشواهد الرُّسوم بعدُ معه. وصاحبُ هذه الدّرجة قد انقطعت عنه حبال الشّواهد، وتمكَّن في مقام المشاهدة، وتطهّر من نعوت النّفس، ولبِسَ نعوتَ القدس، فتطهّر من الالتفات إلى غير مشهوده، فخَرِسَ لذلك لسانه عن الإشارة إلى ما هو فيه. فهذه المشاهدة عنده فوق مشاهدة المعرفة؛ لأنّ تلك من لوائح نور الوجود، وهذه مشاهدةٌ