إشارته دون مقامه، ومقامه فوق إشارته١، إن أشار أشار بالله مستشهدًا بشواهد الله، وإن سكت سكت بالله عاكفًا بسِرِّه وقلبه على الله، فلو وجدوا مثل هذا لكان الصّادقون أسرعَ إليه من النّار في يابس الوَقود، والله المستعان.
قوله: (تقطع حِبالَ الشّواهد)، شبّه الشّواهد بالحبال التي تَجذِب العبد إلى مطلوبه، وهذا إنّما يكون مع الغيبة عنه، فإذا صار الأمر إلى العيان انقطعت حينئذٍ حبالُ الشّواهد بحكم المعاينة.
قوله: (وتلبس نعوت القدس)، القدس: هو النّزاهة والطّهارة، ونعوت القدس هي صفاته، فيُلبِسه الحقُّ سبحانه من تلك النُّعوت ما يليق به، واستعار لذلك لفظة اللُّبس؛ فإنّ تلك الصِّفات خِلَعٌ من خِلَعِ الحقِّ سبحانه، يُلبِسها من يشاء من عباده.
وهذا موضعٌ يتوارد عليه الموحِّدون والملحدون:
فالموحِّد يعتقد: أنّ الذي ألبسه الله إيّاه هو صفاتٌ جمَّلَ بها ظاهرَه وباطنَه، وهي صفاتٌ مخلوقةٌ ألبست عبدًا مخلوقًا، فكسا عبده حُلّةً من حُلَلِ فضله وعطائه.
والملحد يقول٢: كساه نفسَ صفاتِه، وخلَعَ عليه خِلعةً من صفات ذاته، حتّى صار شبيهًا به، ويقولون: الوصول هو التّشبُّه بالإله على قدر الطّاقة، وبعضهم يُلطِّف هذا المعنى فيقول: بل يتخلّق بأخلاق الرّبِّ٣،
(١) «دون مقامه ... إشارته» ليست في د.
(٢) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٥١٦).
(٣) د: «الله».
ورَوَوا في ذلك أثرًا: «تَخلَّقوا بأخلاقِ الله»١.
وليس هاهنا غير التّعبُّد بالصِّفات الجميلة والأخلاق الفاضلة، التي يحبُّها الله ويجعلها لمن يشاء من عباده، فالعبد مخلوقٌ، وخِلْعته مخلوقةٌ، وصفاته مخلوقةٌ، والله سبحانه بائنٌ بذاته وصفاته عن خلقه، لا يُمازِجهم ولا يمازجونه، ولا يحلُّ فيهم ولا يحلُّون فيه، تعالى الله علوًّا كبيرًا.
فصل
قال٢: (الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ، تَجذِب إلى عين الجمع، مالكةً لصحّة الورود، راكبةً بحرَ الوجود).
صاحب هذه الدرجة أثبتُ عند الشيخ في مقام المشاهدة، وأمكنُ في مقام الجمع الذي هو حضرة الوجود، وأملكُ لحمل ما يَرِد عليه في مقامه من أنواع الكشوفات٣ والمعارف، ولذلك كانت مشاهدته مالكةً بصحة الورود؛ أي: تشهد لنفسها بصحّة ورودها إلى حضرة الجمع، وتشهد الأشياء كلُّها لها بالصِّدق، ويشهد المشهود أيضًا لها٤ بذلك، فلا يبقى عندها احتمال شكٍّ ولا ريبٍ.
(١) حديث باطل لا أصل له، ذكره الغزالي في «المقصد الأسنى» (ص ١٥٠) وغيره. وانظر: «جامع المسائل» (٦/ ١٢٤، ١٢٥)، و«الصفدية» (٢/ ٣٣٧)، و«السلسلة الضعيفة» (٢٨٢٢).