مدارج السالكين

ورَوَوا في ذلك أثرًا: «تَخلَّقوا بأخلاقِ الله»١.

وليس هاهنا غير التّعبُّد بالصِّفات الجميلة والأخلاق الفاضلة، التي يحبُّها الله ويجعلها لمن يشاء من عباده، فالعبد مخلوقٌ، وخِلْعته مخلوقةٌ، وصفاته مخلوقةٌ، والله سبحانه بائنٌ بذاته وصفاته عن خلقه، لا يُمازِجهم ولا يمازجونه، ولا يحلُّ فيهم ولا يحلُّون فيه، تعالى الله علوًّا كبيرًا.

فصل

قال٢: (الدّرجة الثّالثة: مشاهدة جَمْعٍ، تَجذِب إلى عين الجمع، مالكةً لصحّة الورود، راكبةً بحرَ الوجود).

صاحب هذه الدرجة أثبتُ عند الشيخ في مقام المشاهدة، وأمكنُ في مقام الجمع الذي هو حضرة الوجود، وأملكُ لحمل ما يَرِد عليه في مقامه من أنواع الكشوفات٣ والمعارف، ولذلك كانت مشاهدته مالكةً بصحة الورود؛ أي: تشهد لنفسها بصحّة ورودها إلى حضرة الجمع، وتشهد الأشياء كلُّها لها بالصِّدق، ويشهد المشهود أيضًا لها٤ بذلك، فلا يبقى عندها احتمال شكٍّ ولا ريبٍ.

  1. (١) حديث باطل لا أصل له، ذكره الغزالي في «المقصد الأسنى» (ص ١٥٠) وغيره. وانظر: «جامع المسائل» (٦/ ١٢٤، ١٢٥)، و«الصفدية» (٢/ ٣٣٧)، و«السلسلة الضعيفة» (٢٨٢٢).
  2. (٢) «المنازل» (ص ٩٤).
  3. (٣) ت: «المشوقات».
  4. (٤) ش، د: «اتصالها».
135

وهذا أيضًا مَورِدٌ للملحد والموحِّد١:

فالملحد يقول: مشاهدة الجمع هي مشاهدة الوجود الواحد، الجامع لجميع المعاني والصُّور والقوى والأفعال والأسماء، و«حضرة الجمع» عنده هي حضرة هذا الوجود، ومشاهدة هذا الجمع تجذب إلى غيبة٢.

قال٣: وصفة هذا الجذب أن يَحُلَّ الحقُّ تعالى عُقَدَ خَلقيَّتِه بيد حقيقته٤، فيرجع النُّور الفائض على صورة خَلقيَّتِه إلى أصله، ويرجع العبد إلى عدميّته، فيبقى الوجود للحقِّ، والفناء للخلق، ويقيم الحقُّ تعالى وصفًا من أوصافه، نائبًا عنه في استجلاء ذاته، فيكون الحقُّ هو المشاهد ذاتَه بذاته في طورٍ من أطوار ظهوره، وهي مرتبة عبده، فإذا أثبتَ الحقُّ تعالى عبدَه بعد نفيه ومحْوِه، وأبقاه بعد فنائه٥، فعاد كما يعود السّكران إلى صحوه= وجدَ في ذاته أسرارَ ربِّه، وطورَ صفاته، وحقائقَ ذاته، ومعالمَ وجوده، ومطارحَ أشعّةِ نوره، ووجد خَلْقِيَّته أسماءَ مسمّى ذاته وعوده إليه، فيرى العبدُ ثبوتَ ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الموجود٦ المنزَّه الأصل، المُوهِم الفرع، فيؤدِّي استصحابُ النّظر إلى أصله أنّ الفرع لم يفارِقْه هو إلّا بشكله، والشّكل على اختلاف ضروبه فمعنًى عدميٌّ

  1. (١) «والموحد» ليست في ت.
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي «شرح التلمساني»: «تجذب وجودَ العبد إلى حضرة الغيب».
  3. (٣) «شرح التلمساني» (ص ٥١٧).
  4. (٤) في «شرح التلمساني»: «حقّيته».
  5. (٥) د: «قضائه».
  6. (٦) في «شرح التلمساني»: «وجوده».
136

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي