مدارج السالكين

وهذا أيضًا مَورِدٌ للملحد والموحِّد١:

فالملحد يقول: مشاهدة الجمع هي مشاهدة الوجود الواحد، الجامع لجميع المعاني والصُّور والقوى والأفعال والأسماء، و«حضرة الجمع» عنده هي حضرة هذا الوجود، ومشاهدة هذا الجمع تجذب إلى غيبة٢.

قال٣: وصفة هذا الجذب أن يَحُلَّ الحقُّ تعالى عُقَدَ خَلقيَّتِه بيد حقيقته٤، فيرجع النُّور الفائض على صورة خَلقيَّتِه إلى أصله، ويرجع العبد إلى عدميّته، فيبقى الوجود للحقِّ، والفناء للخلق، ويقيم الحقُّ تعالى وصفًا من أوصافه، نائبًا عنه في استجلاء ذاته، فيكون الحقُّ هو المشاهد ذاتَه بذاته في طورٍ من أطوار ظهوره، وهي مرتبة عبده، فإذا أثبتَ الحقُّ تعالى عبدَه بعد نفيه ومحْوِه، وأبقاه بعد فنائه٥، فعاد كما يعود السّكران إلى صحوه= وجدَ في ذاته أسرارَ ربِّه، وطورَ صفاته، وحقائقَ ذاته، ومعالمَ وجوده، ومطارحَ أشعّةِ نوره، ووجد خَلْقِيَّته أسماءَ مسمّى ذاته وعوده إليه، فيرى العبدُ ثبوتَ ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الموجود٦ المنزَّه الأصل، المُوهِم الفرع، فيؤدِّي استصحابُ النّظر إلى أصله أنّ الفرع لم يفارِقْه هو إلّا بشكله، والشّكل على اختلاف ضروبه فمعنًى عدميٌّ

  1. (١) «والموحد» ليست في ت.
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي «شرح التلمساني»: «تجذب وجودَ العبد إلى حضرة الغيب».
  3. (٣) «شرح التلمساني» (ص ٥١٧).
  4. (٤) في «شرح التلمساني»: «حقّيته».
  5. (٥) د: «قضائه».
  6. (٦) في «شرح التلمساني»: «وجوده».
136

يفنَى١ إمكانه في وجوبه.

فانظر ما في هذا الكلام من الإلحاد والكفر الصُّراح، وجعل عين المخلوق نفس عين الخالق، وأنّ الرّبّ سبحانه أقام نفسَ أوصافه نائبةً عنه في استجلاء ذاته، وأنّه شاهدَ ذاتَه بذاته في مراتب الخلق، وأنّ الإنسان إذا صحا من سُكره وجد في ذاته حقائق ذات الرّبِّ، ووجد خلقيَّتَه أسماء مسمّى ذاته، فيرى ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود «المنزَّه الأصل» يعني عن الانقسام والتّكثُّر، «المُوهِم الفرع» يعني الذي يُوهِم فروعُه وتكثُّرُ مظاهرِه واختلافُ أشكاله أنّه متعدِّدٌ، وإنّما هو وجودٌ واحدٌ، والأشكال على اختلاف ضروبها أمورٌ عدميّةٌ، لأنّها ممكنةٌ، وإمكانها يفنى في وجوبها، فلم يبقَ إلّا وجوبُ الوجود، وهو واحدٌ وإن اختلفت الأشكال التي ظهر فيها، والأسماء التي أشارت إليه.

فالاتِّحاديُّ يُشاهد وجودًا واحدًا، جامعًا لجميع الصُّور والأنواع والأجناس، فاض عليها كلِّها، فظهر فيها بحسب قوابلها واستعداداتها.

وذلك الشُّهود يجذبه إلى انجذاب عزمه عن التّقيُّد بمعبودٍ معيّنٍ أو عبادةٍ معيّنةٍ، بل يبقى معبوده الوجود المطلق السّاري في الموجودات، بأيِّ معنًى ظهر، وفي أيِّ ماهيّةٍ تحقَّق، فلا فرقَ عنده بين السُّجود للصّنم والشّمس والقمر والنُّجوم وغيرها، كما قال شاعر القوم٢:

وإن خَرَّ للأحجارِ في البُدِّ عاكفٌفلا تَعْدُ في الإنكارِ بالعصبيّةِ
  1. (١) في الأصول: «لتعيّن». والتصويب من «شرح التلمساني»، وسيشرحه المؤلف.
  2. (٢) هو ابن الفارض، والأبيات من تائيته المشهورة، وليس في «ديوانه» ط. دار الكتب العلمية.
137

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي